هل تجوز الصلاة بالثوب الذي به دم أو عرق أو تراب ؟

أضيف بتاريخ: 19 - 11 - 2016 | أضيف في: الفتاوى الشرعية| عدد المشاهدات : 590

سؤال الفتوى: هل تجوز الصلاة بالثوب الذي به دم بمقدار درهم أو به عَرَقٌ أو به تراب أفيدونا مأجورين ؟ 


< جواب الفتوى >

إذا صلى الشخص بثوب فيه دم أو عَرَق أو تراب فالصلاة صحيحة ولا إثم عليه ما لم يكن الدم مسفوحًا أو دم حيض أو نفاس فإن كان كذلك فالصلاة صحيحة مع الإثم لكون الدم المسفوح نجسًا لقوله تعالى: ” قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا([1]) أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ([2]) “([3]).

وكذا دم الحيض والنفاس نجسان قليلين كانا أو كثيرين بإجماع الأمة لقوله تعالى: ” وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ “([4]).

ولما أخرجه الشيخان عن عائشة قالت جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لا إنما ذلك عرق وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي”([5]).

لكن يعفى عن الدم إذا وقع في الثوب والبدن ونحوهما ما لم يكن مسفوحًا من غير دم الحيض والنفاس عملًا بقوله تعالى: ” قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ “([6]).

قال ابن عبد البر في( التمهيد ):( وحكم كل دم كدم الحيض إلا أن قليل الدم متجاوز عنه لشرط الله عز وجل في   نجاسة الدم  : أن يكون مسفوحا, فحينئذ هو رجس والرجس النجاسة وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس إلا أن المسفوح وإن كان أصله الجاري في اللغة فإن المعنى فيه في الشريعة الكثير إذ القليل لا يكون جاريا مسفوحا فإذا سقطت من الدم الجاري نقطة في ثوب أو بدن لم يكن حكمها حكم المسفوح الكثير وكان حكمها حكم القليل )([7]).أ.هـ

ثم ذكر رحمه الله : عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري أنه قال:( أدركت فقهاءنا يقولون ما أذهبه الحك من الدم فلا يضر وما أذهبه الفتل فيما يخرج من الأنف فلا يضر ).

وذكر عن مجاهد عن أبي هريرة أنه لم يكن يرى بالقطرة والقطرتين من الدم في الصلاة بأسا.

قال أبو بكر الأثرم وقيل لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل إلى أي شيء تذهب في الدم ؟، فقال : إذا كان فاحشا قيل له في الثوب ؟، فقال : في الثوب وإذا خرج من الجرح, قيل له : السائل أو القاطر؟،فقال : إذا فحش أذهب إلى الفاحش .

وقال أبو عبد الله : عدة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام تكلموا فيه أبو هريرة كان يدخل أصابعه في كلاهما .

وابن عمر عصر بثرة([8]) وابن أبي أوفى تنخم([9]) دما وجابر أدخل أصابعه في كلاهما .

وابن عباس قال:( إذا كان فاحشا ).

و عن عطاء بن السائب أنه رأى عبد الله بن أبي أوفى يتنخم دمًا عبيطًا وهو يصلي .

و أن ابن عمر عصر بثرة في وجهه فخرج منها شيء من دم و قيح فمسحه بيده وصلى ولم يتوضأ )([10]).

انتهى كلامه مختصرًا .

وآثار أخرى ذكرها ابن أبي شيبة في مصنفه منها ما صح ومنها ما هو دون ذلك.

و حاصله : أن السلف والخلف أجمعوا على نجاسة الدم المسفوح للآية السابقة .

وقال الجماهير : يعفى ما كان دون المسفوح من غير الحيض والنفاس للأدلة السابقة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى:( ولهذا كان المسلمون يضعون اللحم في المرق وخطوط الدم في القدور بينة ويأكلون ذلك على عهد رسول الله كما أخبرت بذلك عائشة ولولا هذا لاستخرجوا الدم من العروق كما يفعل اليهود )([11]) أ.هـ

لكن قد يقول قائل أن الآية جاءت في سياق الأطعمة .

وجوابه : أنها كذلك إلا أن سلفنا الصالح فهموا ما قد يغيب عن بعض الخلف وخصوصًا أنهم عاشوا زمان الوحي فحملوا الآية على نجاسة الحس والمعنى وهم أدرى بفقه الشريعة منا وخصوصًا أنه لم يخالف أحد منهم في ذلك, وأما العرق سواء كان في الجسد أو الثوب فهو طاهر فإذا صلى شخص وفي ثوبه شيء من ذلك فصلاته صحيحة .

لكن كره بعضهم الكثير منه وما كان مصحوبًا بالروائح الكريهة حتى لا ينشغل المصلي أو يشغل غيره من المصلين .

وكذا القول في طهورية التراب فقد صح عن سلفنا الصالح سجودهم على الأرض في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام فيعلق بعض التراب على جباههم فلا ينهاهم عن مثل ذلك .

وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء “([12]) وذكر خصلة أخرى, وبالله التوفيق .


([1]) سَائِلاً مُهْرَاقاً مصبوب صباً لا المختلط باللحم والعظام من العروق لا كالطحال والكبد فانهما جامدان.

(([2] قذر أو نجس أو حرام.

(([3] سورة الأنعام, الآية (145).

(([4] سورة البقرة, الآية (222).

(([5] أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الوضوء, باب غسل الدم(1/91 رقم 226)], ومسلم في صحيحه [كتاب الحيض, باب المستحاضة وغسلها وصلاتها(1/91 رقم 226)] كلاهما من حديث أم المؤمنين عائشة.

([6]) سورة الأنعام, الآية (145).

( ([7]أبوعمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري, التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد, تحقيق : مصطفى بن أحمد العلوي, ‏محمد عبد الكبير البكري, وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية, المغرب ، 1387 هـ (22/230).

(([8] خُرَّاج صغير.

([9]) رمى بالنخامة (ما يخرج من الخيشوم عند التنخّع).

(([10] المصدر السابق.

(([11]أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق : عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي، مكتبة ابن تيمية، الطبعة : الثانية (21/100).

([12]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب المساجد ومواضع الصلاة (1/371 رقم 522)] من حديث حذيفة بن اليمان.