هل ابن صياد هو المسيح الدجال؟

أضيف بتاريخ: 19 - 11 - 2016 | أضيف في: الفتاوى الشرعية| عدد المشاهدات : 483

سؤال الفتوى: أنا طالب في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد في كلية أصول الدين, وأحضر درجة الماجستير في قسم الحديث, ومطلوب منَّا البحث النهائي لنيل شهادة الماجستير. وقد اخترت موضوع :  ” فتنة المسيح الدجال دراسة حديثية نقدية مقارنة ” و هذا البحث يشمل دراسة أحاديث الدجال مع التخريج, و دراسة الأسانيد, و بيان شبهات أهل الكتاب على هذه الأحاديث, مع الرد العلمي . ويشمل مقارنةً بين تصور المسيح الدجال عند اليهود والنصارى و المسلمين . وعندي بعض الأسئلة بالنسبة لهذا الموضوع :

1. هل الدجال موجود منذ حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم ؟

2. هل ابن صياد هو المسيح الدجال ؟

3. هل ابن صياد رجل يهودي ؟

4. وهل هو من جنس الإنسان؟ أم كان جنيًا ؟

أرجو منكم التفضل والعناية, مع كتابة بعض المصادر المتعلقة بذلك .


< جواب الفتوى >

الجواب : الدجال موجود منذ حياة النبي – عليه الصلاة والسلام- إلى أيامنا هذه, وهو قريب عهد بالخروج, ولا يخرج حتى يأذن الله بذلك .

والدليل على حياته منذ زمن النبي عليه الصلاة والسلام إلى أيامنا هذه : ما أخرجه الإمام مسلم وغيره من حديث فاطمة بنت قيس([1]) “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم مسرعًا فصعد المنبر ونُودي في الناس : الصلاة جامعة , فاجتمع الناس, فقال :(( يا أيها الناس إني لم أدعكم لرغبة ولا لرهبة, ولكنّ تميمًا الدّاري أخبرني : أن نفرًا([2]) من أهل فلسطين ركِبوا البحر فقذف بهم الريح إلى جزيرةٍ من جزائر البحر, فإذا هم بدابةٍ أشعرَ([3]) لا يُدرى ذكر هو أم أنثى لكثرةِ شَعره .

فقالوا : من أنتَ ؟

فقالت : أنا الْجَسَّاسَة([4])؟

فقالوا : فأخبرينا .

فقالت : ما أنا بِمخبرَتِكم ولا مُستَخبرتِكم([5]), ولكنْ في هذا الدَّيْر([6]) رجلٌ فقيرٌ إلى أن يخبركم وإلى أن يَسْتخبركم .

فدخلوا الدير فإذا هو رجل أعور مُصَفّد([7]) في الحديد .

فقال : من أنتم ؟

قالوا : نحن العرب .

فقال : هل بُعثَ فيكم النبي ؟

قالوا : نعم .

قال : فهل اتبعه العرب ؟

قالوا : نعم .

قال : ذاك خير لهم .

قال : فما فعلت فارسُ([8]) هل ظهر عليها([9]) ؟

قالوا : لا .

قال : أمَا إنه سيظهر عليها , ثم قال : ما فعلت عَيْنُ زُغَر([10]) ؟

قالوا : هي تَدْفَق([11]) ملأى .

قال : فما فعل نخل بَيْسَان([12]) ؟

هل أَطْعَمَ([13]) ؟

قالوا : نعم أوائله([14]) .

قال : فوثب وثبة([15]) حتى ظننّا أنه سيَفْلِت , فقلنا : من أنت ؟

فقال : أنا الدجال, أمَا إني سأطأ الأرض كلها غير مكة وطيبة .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( أبشروا معاشر المسلمين هذه طيبة لا يدخلها ))([16]).

وأما ابن صياد هل هو المسيح الدجال ؟

فالجواب : لا .

وقد اختلف أهل العلم من السلف والخلف في هذه المسألة على قولين :

فذهب بعضهم إلى أن ابن صياد هو المسيح الدجال, واحتجوا بعدة أدلة :

الأول : أن ابن عمر([17])  وجابر رضي الله عنهما كانا يحلفان أن ابن صياد هو الدجال, لا يشُكانِ فيه .

فقيل لجابر : إنه أسلم .

فقال : وإن أسلم .

فقيل : إنه دخل مكة وكان في المدينة .

فقال : وإن دخل .

وأخرج الشيخان عن محمد بن المُنْكَدِر قال : رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصائد الدجال .

قلت : تحلف بالله ؟!!

قال : إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم, فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم([18]).

وأخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه : كان يقول : والله ما أشك أن ابن صياد هو المسيح الدجال([19]).

الثاني : ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال : دعني يا رسول الله أضرب عنقه([20])- أي ابن الصياد – فقال النبي صلى الله عليه وسلم :(( إن يَكنْهُ فلن تُسلّط عليه, وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله ))([21]) .

وبالفعل لم يقتله عمر رضي الله عنه.

وأصرح من ذلك رواية ابن مسعود([22])  في مسلم بلفظ : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( دعْهُ فإن يكن الذي تخاف لن تستطيعَ قتلهُ ))([23]).

الثالث : ما أخرجه مسلم في صحيحه عن نافع, قال : لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة .

فقال له : قولًا أغضبه , فانتفخ([24]) حتى ملأ السِّكَّة([25]) .

فدخل ابن عمر على حفصة([26])  وقد بلغها .

فقالت له : رحمك الله ما أردت من ابن صائد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :(( إنما يخرج من غضبة يغضبها ))([27]).

الرابع : ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري([28]), أن ابن صياد قال له : أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو كافر وأنا مسلم ؟

أوليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو عقيم لا يولد له وقد تركت ولدي بالمدينة ؟!

أوليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يدخل المدينة ولا مكة وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة ؟!

قال أبو سعيد الخدري : حتى كِدْتُ أن أعذِره .

ثم قال : أما والله إني لأعرفه , وأعرف مولده وأين هو الآن ؟

قال : قلت له : تبًّا لك سائر اليوم([29]).

والشاهد : قوله : قال : أما والله إني لأعرفه, وأعرف مولده وأين هو الآن .

وفي رواية أخرى عند مسلم : أما والله إني لأعلم الآن حيث هو , وأعرف أباه وأمه .

قال : وقيل له :  أيسرك أنك ذاك الرجل ؟

قال : فقال : لو عُرِض علي ما كرهت([30]) .

الخامس : ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لابن صياد :(( تشهد أني رسول الله ؟ ))

فنظر إليه ابن صياد فقال :  أشهد أنك رسول الأميين .

فقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وسلم : أتشهد أني رسول الله ؟

فرفضه, وقال : آمنت بالله وبرسله([31]) .

السادس : ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما,  أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :  لابن صياد ماذا ترى ؟

قال ابن صياد : يأتيني صادق وكاذب .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم :(( خُلِّط عليك الأمر ))([32]).

وهذه هي حاصل ما استدل بها أهل هذا المذهب .

وذهب آخرون إلى أن ابن صياد غير المسيح الدجال, وهذا القول أقوى وأرجح , وله أدلته وفيها ما يَرُدُّ أدلة المخالفين :

أولًا : أنه لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يفيد أن ابن صياد هو المسيح الدجال, رَغم عِظم فتنته, واشتداد موقفه, ومعارضته لرسول الله عليه الصلاة والسلام بمَحضَر الصحابة, ولو كان هو المسيح الدجال لأخبر عنه الصحابة, وما أخَّرَ بيانه عن وقت الحاجة, وخصوصًا أنه عاش بين أظهر صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام, والوحي يتنزل, بل أعرض النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يشبّهَ الدجال به, فضلًا عن كونه هو الدجال وشبهه بغيره .

ففي صحيح البخاري عن ابن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لعيسى([33]) أحمرٌ, ولكن قال : بينما أنا نائم أطوف بالكعبة, فإذا رجل آدمٌ سَبْط([34]) الشعر يُهادى([35]) بين رجلين, ينطِفُ([36]) رأسه ماءً أو يَهراقُ([37]) رأسه ماءً .

فقلت : من هذا ؟

قالوا : ابن مريم .

فذهبت ألتفت ؛ فإذا رجل أحمر جسيم([38]) جعد الرأس([39]) أعورُ عينِهِ اليمنى, كأن عينه عنبة طافية([40]), قلت : من هذا ؟

قالوا : هذا الدجال وأقرب الناس به شبهًا ابن قَطَن.

قال الزهري : رجل من خُزاعة هلك في الجاهلية([41]) .

قلت : فأكثر ما يؤخذ من الأدلة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان متوقفًا في أمره, ومما يؤكِّد ذلك : ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما, أن عمر رضي الله عنه قال : دعني يا رسول الله أضرب عنقه – أي ابن الصياد – .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم :(( إن يكنه فلن تُسلّطَ عليه, وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله ))([42]).

فظاهر الرواية أنه عليه الصلاة والسلام كان مترددًا في أمره .

وقد قال النووي في الشرح:( قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوحَ إليه بأنه المسيح الدجال ولا غَيرُه، وإنما أُوحِيَ إليه بصفات الدجال , وكان في ابن صياد قرائن محتملة فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره, ولهذا قال لعمر([43])   رضي الله عنه :(( إن يكنه فلن تستطيع قتله ))… وقال البيهقي في كتاب البعث والنشور : وكان أمر ابن صياد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده فعصم الله تعالى منها المسلمين ووقاهم شرها ا.هـ .

وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي صلى الله عليه وسلم  لقول عمر , فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان كالمتوقف في أمره , ثم جاءه البيان أنه غيره كما صرح به في حديث تميم([44]) انتهى كلام النووي رحمه الله  .

ثانيًا : أخرج الشيخان عن أنس بن مالك([45])  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(( ما بعث الله من نبي إلا أنذر قومه الأعور الكذاب، إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور , مكتوب بين عينيه كافر ))([46]).

وقد جاءت الروايات الأخرى في شأن ابن الصياد خلاف ما جاءت في المسيح الدجال من حيث هذه الأوصاف.

ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري أن ابن صياد قال له : يا أبا سعيد من خَفي عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خَفي عليكم معشر الأنصار .

أَلستَ مِن أَعلمِ الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( هو كافر وأنا مسلم )) ؟

ولتمام الفائدة قال ابن صياد أيضًا له : أوليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( هو عقيم لا يولد له )) وقد تركت ولدي بالمدينة ؟

أوليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( لا يدخل المدينة ولا مكة )) وقد أقبلت من المدينة وأنا أريد مكة ؟ ))([47]) .

فالمسيح الدجال كافر وليس له ولد، وابن صياد أعلن إسلامه وله ذرية .

ثالثًا : أن أحاديث المسيح الدجال تُثبت أنه حي وسيخرج في آخر الزمان, وروايات ابن الصياد تُثبت أنه فُقِد يوم الحَرةِ, وفي بعض الروايات أنه لما مات كشفوا عن وجهه فرآه الناس, وتوضيح ذلك أنه جاء في شأن المسيح الدجال ثبوت حياته في زمن النبي عليه الصلاة والسلام, وأنه لا زال حيًا حتى الآن, وأنه سيخرج في آخر الزمان ؛ ما سبق في قصة تميم ومن معه من حديث الجساسة .

وخلافه تمامًا ما جاء في شأن الصياد, ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن جابر قال :((فقدنا ابن صياد يوم الحَرةِ ))([48]) .

فكيف يكون مفقودًا إلا وقد عاش بين أظهرهم, وبدليل حديث أبي سعيد السابق بخلاف حديث تميم فإنه يثبت أنه مقيد, ولم يؤذن له بعد بالخروج حتى مات النبي عليه الصلاة والسلام.

رابعًا : أن الناظر إلى أحاديث المسيح الدجال يجد أنها تحدد زمانه، وحياته وعيشه بين الخلق , بخلاف مدة حياة ابن صياد فإنها لم تكن محددة بنص .

ففي صحيح مسلم يتحدث النبي عليه الصلاة والسلام عن المسيح الدجال بوضوح لا يحتاج إلى مزيد, فعن النواس بن سمعان([49]) قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ([50]) حتى ظنّناهُ في طائفة([51]) النخل, فلما رُحنا إليه عرف ذلك فينا .

فقال :(( ما شأنكم ؟ ))

قلنا : يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل, فقال :(( غيرُ الدجال أخوفني عليكم, إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه([52]) دونكم([53]), وإن يخرج ولست فيكم فامْرؤٌ حجيج نفسه([54]), والله خليفتي على كل مسلم, إنه شاب قَطَط([55]) عينه طافئة([56]), كأني أشبهه بعبد العزى بن قَطَن, فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف, إنه خارجٌ خَلَّة([57]) بين الشام والعراق فَعَاثَ([58]) يمينًا وعاث شمالًا .

يا عباد الله : فاثْبتُوا .

قلنا : يا رسول الله وما لُبثه([59]) في الأرض ؟

قال :(( أربعون يومًا, يومٌ كسنة, ويومٌ كشهر, ويومٌ كجمعة, وسائر أيامه كأيامكم )), قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنةٍ أَتكفينا فيه صلاة يومٍ ؟

قال :(( لا, اقْدروا  له قدره([60])))([61])  .

فلو كان المسيح الدجال هو ابن صياد لكان نبينا حجيجه, ولقال هذا هو الدجال فاحذروه, ولكن ما حصل ذلك منه, وحاشا أن يُخفيَ أمره, وخصوصًا أنه عاش بعد هذا الحديث فترةً من الزمن والوحي يتنزل .

ولو كان المسيح الدجال هو ابن صياد لانطبقت أوصاف الدجال عليه, تِلكُمُ الأوصاف التي ذكرها نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله :(( إنه شاب قطط عينه طافئة, كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن )) .

ولكن مع ذلك لم يرد ما يفي أن هذه هي أوصافه, ولو كان المسيح الدجال هو ابن صياد لقال لأصحابه : إنه الدجال فاقرؤوا عليه فواتح سورة الكهف .

ولو كان المسيح الدجال هو ابن صياد ؛ لأقدر الناس لصلاتهم قدرًا في المدة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام, ولكنْ هناك بَونٌ كبير بين ابن صياد وبين الدجال الأعور .

وقد يقول قائل وقد قيل : إنَّ ما أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام آخر الزمان من أمر الدجال لا ينافي أن يظهر ابن الصياد في آخر الزمان, ويكون هو المسيح الدجال فَيُردُّ عليه بأن حديث الجساسة كان في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام, وفيه أن تميمًا رأى المسيح الدجال مقيدًا ولم يخرج بعد, فَهَلاَ قال النبي عليه الصلاة والسلام : قد خرج, إنه ابن صياد فاثبتوا يا عباد الله فقد وصفته لكم, وإنه هذا وسيظهر بأوصاف أخرى آخر الزمان غير أوصافه هذه, وإنه سيوصف بالمسيح الدجال، وما إلى ذلك مما يندرج تحت هذه التساؤلات .

وقبل ذلك كله عندنا قاعدة مطردة وهي قول علمائنا :(( لا يؤخر نبينا عليه الصلاة والسلام البيان عن وقت الحاجة )) .

والصحابة كانوا من أشد الناس حاجة لمعرفة هل المسيح الدجال هو ابن صياد أم لا ؟

مع أنهم اختلفوا, وخلافهم ليس بحجة على بعضهم, بل الحجة مع الطرف الأقوى الذي يسنده الدليل .

خامسًا : أن ابن الصياد رجل ضعيفٌ لا يملك ما يملكه المسيح الدجال من القوة التي فطره الله عليها, فتأمل في الروايات السابقة في ابن صياد, وواقِعِِه في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وواقِعِِه في زمن الصحابة, مع نَظَرِكَ في واقع الدجال من خلال ما أخرجه مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخلِ .

فلما رُحنا إليه عرف ذلك فينا .

وفي الحديث : قال الصحابة لرسول الله عليه الصلاة والسلام : وما إسراعه في الأرض ؟, قال :(( كالغيث([62]) استدبرته  الريح([63]) فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به, ويستجيبون له, فيأمر السماءَ فتمطرُ, والأرض فتنبِتُ, فتروح  عليهم سارحتهم([64]) أطول ما كانت ذرًا([65]), وأسبغه([66]) ضُرُوعًا([67]), وأمده([68])  خواصر([69]).

ثم يأتي القوم فيدعوهم([70]) فيردون عليه قوله([71]), فينصرف عنهم, فيصبحون مُمْحِلِينَ([72])  ليس بأيديهم شيء من أموالهم .

ويَمُرُّ بالخَرِبَةِ([73]) فيقول لها : أخرجي كنوزك, فتتبعه كنوزها كيعاسيب([74]) النحل, ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا, فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين([75]) رَمْيَة الْغَرَض([76]).

ثم يدعوه فيقبل ويتهلل([77]) وجهه يضحك, فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم, فينزل عند المنارة  البيضاء شرقي دمشق بين مَهْرودتين([78]), واضعًا كفيه على أجنحة ملكينِ, إذا طأْطأْ([79]) رأسه قَطَرَ, وإذا رفعه تحدّرَ([80])  منه جُمَّان([81]) كاللؤلؤ ))([82]) .

فالدجال يُطَارِدُ الخلق, ويُهلِك الحرث والنسل, ويفسد العقائد, ويدعي الربوبية, وابن صياد رجل يَهْجُرهُ الخلق, ويشكي حاله منهم, ويطلب من يعطف عليه, وليس له قوةٌ تقهر الخلق وتذلهم .

سادسًا : أن ابن الصياد رجل من أهل المدينة, عاش في أوساطِ الناس منذ الصغر, وعُرِفَ بذلك, واسمه : عبد الله بن صياد كما صح ذلك مصرحًا باسمه .

ويقال له : ابن صياد، أو ابن صائد, وجاء أنَّ اسمه : صافي, ولعل هذا وصفُهُ, إذ يطلق الاسم على الوصف في اللغةِ, والعكسُ, أو أن اسمه صافي وغيَّره إلى عبد الله – كل ذلك – محتمل, وقد سبق ذكر كافة هذه الروايات .

وأما الدجال فلا يصح في اسمه إلا ما عرف به, من كونه  ” المسيح الدجال “, وصح أن المدينة تَحْرُمُ عليه ولا يدخلها أبدًا .

ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(( ليس من بلد إلا سيطؤُه([83]) الدجال, إلا مكة والمدينة ليس له من نِقَابهَا([84])  نَقْب, إلا عليه الملائكة صافين([85])  يحرسونها, ثم ترجف([86])  المدينة بأهلها ثلاث رَجَفَاتٍ, فيخرج الله كل كافر ومنافق ))([87])  .

 لكن قد يقول قائل : وما جوابك عمن قال: إن ابن صياد هو الدجال ؟

وما رَدُّكَ على أدلتهم؟

والجواب : ما سبق, وكذا ما يأتي :

أولًا : احتجاجهم أن ابن عمر, وجابر رضي الله عنهما, كانا يحلفان أن ابن صياد هو الدجال, لا يشكان فيه فقيل لجابر : إنه أسلم .

فقال : وإن أسلم .

فقيل : إنه دخل مكة وكان في المدينة .

فقال : وإن دخل .

وكذا ما ذكروا عن محمد بن المنكدر, قال : رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصائد الدجال, قلت : تحلف بالله ؟

قال : إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم, فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم([88]).

وكذا ما جاء عن ابن عمر أنه كان يقول : والله ما أشُكُّ أن ابن صياد هو المسيح الدجال .

فجواب ذلك كله : أنهم لم يجدوا من النبي عليه الصلاة والسلام ما يقطع أن بينهما فرقًا, وخصوصًا أن ابن الصياد كان كثير الكذب والدجل, فشابهت بعضُ دعواهُ دعوى الدجال الأكبر, ومن أعظم ذلك قوله للنبي صلى الله عليه وسلم : أتشهد أني رسول الله ؟! ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب, وأنه يرى عرشًا فوق الماء, وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال, وأنه يعرف موضعه, وقوله : إني لأعرفه, وأعرف مولده, وأين هو الآن, وانتفاخُهُ حتى ملءَ السكة ونحوها, من المُوهمات لبعض سلفنا في كونه المسيح الدجال.

وهذه لا تكون كافية عند التحقيق في كونه المسيح الدجال, وخاصة أنها عورضت بما أسلفنا, ولو لم نذكر سوى حديث الجساسة, وهو الذي اعتمدهُ كدليلٍ قطعيٍ البيهَقيُّ في كتابهِ “البعث والنشور”, ولكن لماذا لا تكون كافية ؟

الجواب :

لإمكان دفعها بما هو أقوى منها وأرجح, ومن ذلك ما سبق ذكره