أضيف بتاريخ: 21 - 11 - 2016 |
أضيف في: الفتاوى الشرعية|
عدد المشاهدات : 243
سؤال الفتوى: نجد أن الفقهاء قد يختلفون في المسألة على عدة أقوال فلماذا لم يتفقوا ؟طالما والكل يريد الحق فيها ؟
< جواب الفتوى >
ألف شيخ الإسلام ابن تيميه رسالة في ذلك سماها(رفع الملام عن الأئمة الأعلام) حققها أخي الفاضل الشيخ أبو حفص سامي بن العربي حفظه الله .
كما ألف الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي في ذلك كتابا سماه( الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ).
وهناك كتاب قيم عنوانه:( الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف )لابن السيد وكتب أخرى عديدة في هذا المضمار، وحاصل الخلاف في المذاهب وتعدد الآراء في المسائل أمور متعددة :
الأول : اختلافهم في مصادر التشريع فعند بعضهم أن مصادر التشريع ثلاثة ليس غير وهي الكتاب والسنة و الإجماع وما دون ذلك فلا حجة فيه .
وبعضهم اشترط قبول إجماع الصحابة ليس غير ولم يقل بإجماع غيرهم من أهل العلم .
ومنهم من قال بإجماع أهل المدينة وغيرهم لا حجة فيه .
وقال آخرون بل أي إجماع فهو حجة سواء كان إجماع الصحابة أو التابعين وقال إن علماء المدينة كغيرهم من أهل العلم, ومن أهل العلم من قال بمصدر رابع وهو القياس و إليه ذهب الجمهور, ومنهم من قيد القياس بقيود، ومنهم من أطلقه, ومنهم من جعل من المصادر قول الصحابي وفعله, ومنهم من زاد الاستحسان ونحو ذلك, فكلٌ أصدر فتواه نظرا لما ترجح لديه من مجمل ما يراه من المصادر ولا شك أن مثل هذا الاختلاف في هذه المصادر سيؤدي إلى الخلاف في المسائل الفقهية .
الثاني :اختلافهم في قبول المرويات, فنجد أن بعض الفقهاء يصدر فتواه بموجب حديث وقف عليه دون أن يقف على سنده أو يتعرف عليه أهو صحيح أو ضعيف فيأتي آخر فيفتي خلاف فتوى الأول بحجة أن الحديث لا يصح ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى سبيل المثال : ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يلزم المؤذن أن يكون متوضًا حال الآذان وذلك لما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يؤذن إلا متوضيء “([1]).
فخالفهم جماعة وفي مقدمتهم أهل الحديث فقالوا لا يسن الوضوء للمؤذن وأجابوا عن الحديث المذكور بأنه ضعيف لعلة الانقطاع ولأن في إسناده معاوية بن يحيى الصدفي وقد ضعفه أبو زرعة ويحيى بن معين وغيرهما من أهل الجرح والتعديل.
وأحيانًا قد يختلف أهل العلم وخصوصا المحدثين منهم في شروط قبول الروايات فعند بعضهم أن المرسل لا يحتج به مطلقا ما لم يكن من مراسيل صغار الصحابة وبعضهم وهم الجمهور قبلوه بشروط مشهورة, فمن قال بقبول المرسل بالشروط عند توفرها صحح الرواية وأفتى بموجبها, ومن لم يقبل المرسل مطلقا ضعف الرواية وأفتى بخلاف من قال بالتصحيح، وعامة الفقهاء على قبول المرسل مطلقا فأتى بفتاوى متغايرة حسب ما مالت إليه ترجيحاتهم .
وأحيانًا قد يختلفون في قبول رواية الراوي فمثلا يرى البعض قبول رواية شهر بن حوشب بخلاف جماهير المتقدمين فيصحح من رأى قبول روايته فيظهر بعض الفتاوى وفقا لذلك .
ومن ردها قال بضعف الرواية وهكذا في رواية بقية بن مسلم وحجاج بن آرطأة وابن لهيعة وغيرهم من الرواة .
الثالث : الاختلاف في اشتراك الألفاظ والمعاني كالقُرء ذهب الحجازيون من الفقهاء إلى أنه الطهر وذهب العراقيون إلى أنه الحيض ولكل واحد من القولين شاهد من الحديث أو الأثر ومن اللغة أما حجة الحجازيين من الأثر فما روي عن عمر وعثمان وعائشة وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أنهم قالوا الأقراء الأطهار .
وأما حجتهم من اللغة فقول الأعشى :
وفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكـا
مورثة مالا وفي الحي رفعــة لما ضاع فيها من قروء نسائكا .
وأما حجة العراقيين من الحديث فقول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: ” اقعدي عن الصلاة أيام أقرائك([2]) “([3]).
و أما حجتهم من اللغة فقول الراجز :
يا رب ذي ضغن علي فارض له قروء كقرء الحائض
الرابع :اختلافهم في الناسخ والمنسوخ فعند بعضهم أن الدليل المعين منسوخ وعند آخرين أن النسخ فيه لم يتم فحصل الاختلاف .
وعلى سبيل المثال : أخرج الشيخان عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا “([4]).
حيث استدل جماعة من أهل العلم على النهي عن الاستقبال و الاستدبار للقبلة ببول أو غائط، ثم قال آخرون هو منسوخ بحديث جابر الذي أخرجه الخمسة إلا النسائي قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها([5]), والحديث حسن وقد نقل الترمذي تصحيح البخاري له .
وبعضهم أجاب بأن النسخ غير ممكن وأن الرأي من جابر وبعضهم ذكر إجابات متعددة في إبطال النسخ في الحديث وليس هذا المحل محل بسطها .
الخامس : اختلافهم في القواعد الأصولية والفقهية وهنا أنبه إلى أن هناك فرقا بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية وذلك أن القاعدة الأصولية عبارة عن مجموعة أدلة تفصيلية دلت على أصل كلي لغوي كلامي, مثل الأمر للوجوب فهو مجموع الأوامر التي أفادت قاعدة كلامية تدل على أن كل ما اندرج تحت هذه القاعدة فيدل على الوجوب .
أما القاعدة الفقهية فهي معنى كلي فقهي مستفاد من دليل فأكثر مثل قاعدة أن ما ثبت باليقين لا يزول بالشك ومثل : الأصل أن السؤال والخطاب يمضي على ما عم وغلب لا على ما شذ وندر .
وهناك قواعد فقهية وأصولية اختلف فيها العلماء الأمر الذي سبب وجود الاختلاف عند الفقهاء كقاعدة النية شرط لصحة العبادة عند الفقهاء وقاعدة مفهوم المخالفة عند الأصوليين وبعض الفقهاء وغير ذلك .
السادس : الاجتهاد فيما لا نص فيه, فبعض الفقهاء قد لا يقف على النص فيجتهد ويفتي ثم يموت فيخلفه آخر فيرد عليه ويقول له لا اجتهاد مع وجود نص وأمثلة ذلك كثيرة وخصوصًا في المذهب الحنفي .
السابع : الإباحة والتوسع فيظهر شيء مثلا من المطعومات فيقول بعض أهل العلم الأصل فيه الإباحة، فيخالف آخرون ويقولون هذا الصنف تبينت فيه أضرار وأخطار، فيحكمون بحرمته وهكذا .
الثامن : المجاز والحقيقة, والمجاز عند علماء البيان استعمال اللفظ أو التركيب في غير ماوضع له مع علاقة وقرينة مانعة من إيراد المعنى الأصلي،كلفظة أسد للرجل الشجاع والحقيقة هي وجود اللفظ على حقيقته في لغة العرب, كقولنا للكتاب كتاب, والخلاف بين الفقهاء في قبول المجاز وعدمه سبب اختلافًا كثيرًا في مسائل عديدة في البيع والطلاق وما أشبه ذلك كما هو مبين في موضعه من كتب الفروع .
هذه هي الأسباب العامة التي أدت إلى وجود الخلاف في المسائل الفقهية بين العلماء ولا يخفى على كل بصير أن الخلاف سنة قديمة أوجدها الله في الخلق .
ولو عُدِمَ الخلاف في أمة محمد لما حصل التوسع وزيادة المعارف ولأن الله علم بأن هناك مصلحة ومنفعة من الخلاف فأوجده في الخليقة ولو لم يكن سوى الفتنة والاختبار ليتبين الحق من الباطل والثابت عليه من غيره ؛ لكان ذلك كافيا ولذا في حديث سعد في الصحيحين : ” لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون “([6]).
بل لو شاء الله أن يجعل الأمة على فتوى واحدة ومذهب معين لفعل ولكن اقتضت المشيئة الكونية الأزلية ما أراده ربنا جل وعلا .
ولذا قال تعالى: ” وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ “([7]).
وقال تعالى: ” وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ “([8]).
وفق الله الجميع لطاعته وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وسلم .
(([1] أخرجه الترمذي في سننه [أبواب الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, باب ما جاء في كراهية الآذان بغير وضوء(1/389 رقم 200)] من حديث أبي هريرة.
(([2] القرء بالضم والفتح(هنا): الحيض.
(([3] أخرجه أحمد في مسنده [باقي مسند الأنصار, حديث السيدة عائشة رضي الله عنها(6/204 رقم 25722)] من حديث أم المؤمنين عائشة.
([4]) أخرجه البخاري في صحيحه [أبواب القبلة, باب قبلة أهل المدينة وأهل الشأم والمشرق(1/154 رقم 386)], ومسلم في صحيحه [كتاب الطهارة, باب الاستطابة(1/224 رقم 264)] كلاهما من حديث أبي أيوب الأنصاري.
([5]) أخرجه الترمذي في سننه [أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, باب [ ما جاء من ] الرخصة في ذلك(1/15 رقم 9)] من حديث جابر بن عبد الله.
([6]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الجنائز, باب رثى النبي صلى الله عليه وسلم خزامة بن سعد(1/435 رقم 1233)], ومسلم في صحيحه [كتاب الوصية, باب الوصية بالثلث(3/1250 رقم 1628)] كلاهما من حديث سعد بن أبي وقاص.
([7]) سورة هود, الآية (118).
([8]) سورة يونس, الآية (19).
مرتبط