القاعدة الأولى : كل شئ في الكون يدل على وجود الصانع الخبير جل جلاله

أضيف بتاريخ: 01 - 09 - 2016 | أضيف في: مباحث في العقيدة| عدد المشاهدات : 102

القاعدة الأولى : كل شئ في الكون يدل على وجود الصانع الخبير جل جلاله

بعد أن ذكرت جملة من المقدمات المهمة في العقيدة نشرع في أصول وقواعد العقيدة عند أهل السنة والجماعة فهذه قواعدُ مهمةٌ ومُوجزةٌ تختص بالعقيدة والتوحيد كنت قد جمعتها لأخواني طلبة العلم بمسجد ومركز دار السلام بمدينة العين ،

بما يتوافق مع مستواهم العلمي ، ليعرفوا من خلالها أهم الأسس التي قامت عليها طريقة أهل السنة و الجماعة على ضوء الكتاب والسنة لِدَحْضِ شبه أهل الأهواء والبدع الذين خالفوا صراط الله المستقيم ، واستندوا إلى العقل مُدَّعِيْنَ أن كل شئ يتوافق مع العقل فحقٌ متبعٌ ، وكل شيء يعارضه فباطلٌ يُعْرَضُ عنه ، حتى أشعلوا نار الفتنة في صفوف المسلمين وعطَّلُوا حقوق الله جل وعلا ، وردوا نصوصه الشرعية بمجرد قواعدَ وأصولٍ جاءتهم من فلاسفة العجم ، تُعارضُ تماماً ما جاءت به الشرائع السماوية.
وإني لأرجو الله أن أكون قد وُفِّقْتُ لجمع أهم هذه القواعد الصحيحة التي عليها علماء الملة أهل السنة والجماعة .
والله من رواء القصد

القاعدة الأولى 
كل شيء في الكون يدل على وجود الصانع الخبير جل جلاله

سُئل أعرابي من أصحاب الفطر السليمة فقيل له : كيف تعرف ربك ؟
فقال : البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير ، ليلٌ داج، ونهارٌ ساج ، وسماءٌ ذات أبراج ، أفلا تدل على الصانع الخبير .
(.. فهذا الأعرابي قد أدرك بفطرته السليمة التي فطره الله عليها أن هذه الكائنات بما فيها من عجائب ونظام محكم ، من تعاقب الليل والنهار، ومن سماء مزينة بالنجوم والكواكب ، مسيرة بدقة متناهية لا يمكن أن توجد بدون موجد أوجدها، وصيرها إلى ما هي فيه من إحكام وإتقان)(1).
و لو أن ملحداً لا يؤمن بوجود الله جل وعلا فَكَّرَ في نعمة العقل، والبصر، والسمع ،والأرض ، والسماء ، وكل شيء حوله لَدَلَّهُ ذلك على وحدانية الله ، وأنه ربُّ كل شئ، وأنه الواحد الأحد الذي يدير هذا الكون.

قال ابن المعتز : 
فوا عجباً كيف يُعصى الألــهْ        أم كيف يَجحدهُ الجاحــــدُ
ولله في كلِّ تحـريــكـــــــةٍ         وتـسـكينةٍ أبداً شاهــــــدُ 
وفـي كــلِّ شيء لهُ آيـــــــةٌ        تَــدُلُّ علـى أنـهُ الـواحـــــدُ

قال أبو الفرج بن الجوزي : قد أوهم إبليس خلقاً كثيراً أنه لا إله ولا صانع ،وأن هذه الأشياء كانت بلا مكون ، وهؤلاء لما لم يدركوا
الصانع بالحس ، ولم يستعملوا في معرفته العقل جحدوه ، وهل يشك ذو عقل في وجود صانع !!
فإن الإنسان لو مر بقاعٍ ليس فيه بنيان ثم عاد فرأى حائطاً مبنياً علم أنه لا بد له من بان بناه، فهذا المهاد الموضوع وهذا السقف المرفوع ، وهذه الأبنية العجيبة ، والقوانين الجارية على وجه الحكمة أما تدل على صانع؟؟!!
وما أحسن ما قال بعض العرب : إن البعرة تدل على البعير ، فهيكلٌ علوي بهذه اللطافة ، ومركزٌ سفلي بهذه الكثافة أما يدلان على اللطيف الخبير ؟؟!
ثم لو تأمل الإنسان نفسه لكفت دليلاً و لشفت غليلاً، فإن في هذا الجسد من الحكم ما لا يسع ذكره في كتاب ، ومن تأمل تحديد الأسنان لتقطع وتقريض الأضراس لتطحن ، واللسان يقلب الممضوغ ، وتسليط الكبد على الطعام ينضجه ثم ينفذ إلى كل جارحة قدر ما تحتاج إليه من الغذاء وهذه الأصابع التي هُيئت فيها العقد لتطوي وتنفتح فيمكن العمل بها ، ولم تُجَوَّف لكثرة عملها ، إذ لو جُوِّفت ل صدمها الشيء القوي فكسرها ،وجعل بعضها أطول من بعض لتستوي إذا ضُمَّت و أُخْفِي في البدن ما فيه قوامُه وهي النفس التي إذا ذهبت فسد العقل الذي يرشد إلى المصالح ، وكل شيء من هذه الأشياء ينادي أفي الله شك !!
وإنما يخبط الجاحد لأنه طلبه من حيث الحس ، ومن الناس من جحده لأنه لما أثبت وجوده من حيث الجملة لم يدركه من حيث التفصيل فجحد أصل الوجود(2).
فكل الأشياء حول بني الإنسان يدعو إلى التفكر ، وإعمال العقل حتى يدرك حقيقة ذلك ليحقق العبودية للواحد الأحد.
قال تعالى :”إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ،وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ”(3).
وحكى الرازي عن الإمام مالك : أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل له باختلاف اللغات ، والأصوات ، والنغمات .
وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى؟
فقال لهم : دعوني فإني مُفَكِّرٌ في أمر قد أُخْبِرْتُ عنه – ذكروا لي أنَّ سفينةً في البحر مُوقرة فيها أنواع من المتاجر، وليس بها أحدٌ يحرسها، ولا يسوقها ، وهي مع ذلك تذهب ، وتجيء ، وتسير بنفسها ، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها ، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد .
فقالوا : هذا شيءٌ لا يقوله عاقلٌ .
فقال : ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي ، والسفلي ، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ، ليس لها صانع فَبُهِتَ القومُ ورجعوا إلى الحق ، وأسلموا على يديه .
وعن الشافعي أنه سئل : عن وجود الصانع .
فقال : هذا وَرَقُ التُّوت طَعْمُهُ واحدٌ ، تأكله الدود ، فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل ، وتأكله الشياة والبقر والأنعام فتلقيه بعراً وروثاً ، وتأكله الظِبَاء فيخرج منها المسك وهو شيءٌ واحدٌ .
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك ؟
فقال : ههنا حِصْنٌ حَصِيْنٌ ، حَصِيْنٌ أَمْلَس، ليس له بابٌ ، ولا مَنْفذ ، ظاهره كالفضة البيضاء،  وباطنه كالذهب الإبريز ،فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره ، فخرج منه حيوانٌ سميعٌ بصيرٌ ذو شكل حسن ، وصوت مليح .
يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة .

وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد :

تأمَّلْ في نبات ِالأرضِ وانْظُرْ             إلى آثارِ مــا صنــعَ الملـيكُ

عيونٌ مِنْ لُجِينٍ شــــاخصـاتٌ             بأبصارٍ هي الذهبُ السبيـكُ

على قَصَبِ الزبرجدِ شاهداتٌ             بأن الله ليـــس له شــريـــكُ

وقال آخرون : من تأمل هذه السموات في ارتفاعها ، واتساعها ، وما فيها من الكواكب الكبار ، والصغار النيرة من السيارة ، ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ، ولها في أنفسها سيرٌ يَخُصُّهَا ، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض ، لِتَقَرَّ ويَسْكُن ساكنوها مع اختلافِ أَشْكَالِها وألوانها كما قال تعالى :”أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ، وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا، وَغَرَابِيبُ سُودٌ”(4).
وكذلك هذه الأنهار السارحة مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ للمنافع ، وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة ، والنبات المختلف الطعوم ،و الأراييج ، والأشكال ، والألوان مع اتحاد طبيعة التربة ظاهراً ، استدل على وجود الصانع ، وقدرته العظيمة ، وحكمته ، ورحمته بخلقه ، ولطفه بهم، وإحسانه إليهم ،وبره بهم – لا إله غيره ، ولا رب سواه ، عليه توكلت وإليه أنيب والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جداً(5).

ـــــــــــــــــــــ
(1) القريبي د. إبراهيم بن إبراهيم القريبي ، مغني المريد في التوحيد ، مكتبة الجيل ، صنعاء ، الطبعة الأولى ، (ص11).
(2)
عبدالرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج  ، تلبيس إبليس ، تحقيق : الدكتور السيد الجميلي ،دار الكتاب العربي ،  بيروت ، الطبعة الأولى  ، 1405هـ – 1985م ، صفحة 55.
(3)
سورة  البقرة الآية رقم : 164 .
(4)
سورة فاطر الآيتان رقم : 27-28.
(5)
ابن كثير ، تفسير القرآن العظيم ،مصدر سابق ، 1/88.

0 0 votes
Article Rating

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments