الباب الأول أقسام الخبر

أضيف بتاريخ: 27 - 08 - 2016 | أضيف في: مباحث في الحديث| عدد المشاهدات : 1٬914

الباب الأول أقسام الخبر

 

الفصل الأول:

أقسام الخبر باعتبار وصوله إلينا

ينقسم الخبر باعتبار وصوله إلينا إلى متواتر وآحاد.

 

أولاً المتواتر : وهو لغةً من التواتر بمعنى التتابع.

واصطلاحاً : الخبر الذي يرويه جمع عن جمع ، يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب ، ويكون مستند خبرهم الحس كحدثنا وأخبرنا.

وشروطه أربعة :

الأول : أن يكون الإخبار عن علمٍ لا ظن.

الثاني : أن يكون الجمع فيكل طبقة من غير حد لعددهم.

الثالث : أن يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب.

الرابع : أن يكون مستند خبرهم الحس كحدثنا وأخبرنا.

فإذا حصلت هذه الشروط أفاد العلم اليقيني.

والتواتر نوعان : لفظي ومعنوي.

فالمتواتر اللفظي : ما تواتر لفظه كحديث ” من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار “.

فإنهرواه نيف وستون من الصحابة منهم العشرة ، والحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما.

وحديث ” نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها ” (1) فإنه مروي عن نحو ثلاثين صحابياً.

ومنها ” إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ” فإنه مروي عن سبع وعشرين صحابياً ، والحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما.

والمعنوي : ما تواتر بمعناه كأحاديث رفع اليدين في الدعاء فقد

ورد عنه صلى الله عليه وسلم نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء وهي في قضايا مختلفة فكل قضية منها لم تتواتر بعينها ،ولكن القدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء متواتر باعتبار المجموع.

وقد ألفت في الأحاديث المتواترة مجموعة من الكتب منها : كتاب الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للسيوطي ، ومنها كتاب : نظم المتواتر للكتاني.

 

ثانياً : الحديث الآحاد ، جمع واحد ، وهو لغة : ما يخبر به شخص واحد.

واصطلاحاً : ما كان دون المتواتر كأن يفقد شرطاً فأكثر من شروط التواتر.

وأكثر الأحاديث من سبيل الآحاد ، ولا يلزم منها الصحة فمنها الصحيح وغيره.

وأقسامه ثلاثة : مشهور وعزيز وغريب.

أولاً : المشهور وهو مأخوذ في اللغة من الشهرة.

واصطلاحاً: ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة ولم يبلغ حد التواتر.

فالحد الأدنى ألا يقل عن ثلاثة في جميع طبقات الرواة ، ولا مانع من الزيادة في بعض طبقات الرواة.

ويسمى عند بعضهم بالمستفيض.

مثال المشهور : حديث ” إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يَبق عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا “(2) وهذا المثال باعتبار رجال اسناده ، وأما باعتبار شهرته كحديث منقول فإنه ينقسم عند المحدثين إلى أربعة أقسام :

الأول : مشهور صحيح كالحديث السابق  : ” إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلماء “وأمثاله من الأحاديث.

الثاني : مشهور غير صحيح كحديث : ” يوم نحركم يوم فطركم “(3).

الثالث : مشهور بين أهل الحديث وغيرهم كقوله صلى الله عليه وسلم “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” (4) وأمثاله من الأحاديث.

الرابع : مشهور  بين أهل الحديث خاصة دون غيرهم كرواية  محمد بنعبد الله الأنصاري عن سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” قنت شهراً بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان ” (5).

 

فهذا مشهور بين أهل الحديث ، ومخرج في الصحيح ، وله رواة عن أنس غير أبي مجلز ، ورواه عن أبي مجلز غير التيمي ورواه عن التيمي غير الأنصاري ، ولا يعلم ذلك إلا أهل هذه الصنعة ،وأما غيرهم فقد يستغربونه من حيث أن التيمي يروي عن أنس وهو ها هنا يروي عن واحد عن أنس.

ثانياً : العزيز وهو مأخوذ في اللغة من العزة بمعنى القوة والغلبة والمنعة، وقد يرد بمعنى القلة.

واصطلاحاً : ما رواه اثنان في كل طبقة.

وقد يرويه أكثر من اثنين في بعض الطبقات ، لكن الحد الأدنى ألا يقل عن اثنين في جميع طبقات الرواة.

مثال العزيز : حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين” (6).

رواه عن أنس قتادة بن دعامة وعبد العزيز بن صهيب ، ورواه عن قتادة شعبة وسعيد ، ورواه عن عبد العزيز اسماعيل بن علية وعبد الوارث ورواه عن كلٍ جماعة.

ثالثاً : الغريب وهو لغة بمعنى الفرد.

واصطلاحاً : ما رواه واحد في جميع طبقات الرواة ، ولا مانع من الزيادة في بعض طبقات الرواة.

ويقال له حديث الفرد.

وينقسم من حيث الحكم إلى صحيح وضعيف :

مثال الغريب الصحيح : وهي كثيرة منها حديث مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً ” السفر قطعة من العذاب ” (7).

ومثال الغريب الذي ليس بصحيح وهو الغالب على الغريب كحديث علي ابن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من قرأ القرآن واستظهره  فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله به الجنة ، وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار”(8) .

قال أبو عيسى الترمذي في سننه : ” هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده بصحيح ، وحفص بن سليمان يُضعف في الحديث.

وقد حذر العلماء من الغرائب :

قال مالك : شر العلم الغريب ، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس.

وقال عبد الرزاق : كنا نرى أن غريب الحديث خير فإذا هو شر.

كما ينقسم الغريب ويقال له [ الفرد ] من حيث اسناده إلى : فرد مطلق وفرد نسبي.

فالفرد المطلق : ما ينفرد بروايته عن الصحابي واحد من التابعين كحديث النهي عن بيع الولاء (9) فإنه تفرد به عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر.

وقد يتفرد به راوٍ عن ذلك المتفرد كحديث شعب الإيمان (10) فإنه تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة ، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح.

وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم ، وفي مسند البزار والمعجم الأوسط للطبراني أمثلة كثيرة لذلك.

وفي هذه الحالة يقول أهل الحديث فيه : تفرد به فلان عن فلان.

ومن ذلك أيضاً حديث : ” إنما الأعمال بالنيات ” فإنه حديث فرد تفرد به عمر رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص ، ثم عن علقمة محمد بن ابراهيم ، ثم عنه يحيى بن سعيد.

والحديث متفق عليه من حديث عمر رضى الله عنه.

على أن حديث النية قد جاء عن أبي سعيد الخدري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره الدارقطنى وغيره.

ولكن النظر في التفرد من حيث أنه فرد صحيح عن عمر بن الخطاب ولم يصح عن غيره من الصحابة.

والفرد النسبي نوعان :

الأول : ما تفرد بروايته واحد ممن بعد التابعين ولو تعددت الطرق إليه.

ومثاله : حديث ” لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه ” (11).

فقد رواه جماعة عن محمد بن موسى عن يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام وذكره.

فجميعاً انفردوا بروايتهم هذه عنه ، ولا يعني هذا أنا لحديث ليس له طرق أخرى بل له طرق أخرى وشواهد كثيرة ، وإنما الانفراد من حيث هذه الرواية دون غيرها.

ومن هذا النوع أيضاً : : ما انفرد به الثقة خلافاً للأوثق أو الثقات ، وكذا ما انفرد به الضعيف خلافاً للثقة ، وما انفراد به الوضاع ، كل هذا من سبيل الفرد النسبي.

الثاني : ما كان التفرد فيه من حيث  الجهة خاصة كقولهم تفرد به أهل مكة أو تفرد به أهل اليمن ونحو ذلك.

وهو ضربان :

الأول : ما انفرد به شخص عن أهل بلد أخرى.

مثاله : حديث جابر في قصة الشجوج ” إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه ، ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده ” (12).

قال الدارقطني في سننه ” قال أبو بكر ابن أبي داود : هذه سنة تفرد بها أهل مكة وحملها أهل الجزيرة.

لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير بن خريق وليس بالقوي .أهـ

الثاني : ما انفرد به أهل بلد عن شخص كحديث ” القضاة ثلاثة” (13).

تفرد به أهل مرو عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.

فائدة :

قال الحافظ ابن حجر : إن أهل الاصطلاح قد غايروا بين الفرد والغريب من حيث كثرة الاستعمال وقلته.

فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق.

والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي ، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما ، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان أو أغرب به فلان (14).أهـ.

ولا يسوغ الحكم بالتفرد إلا بعد الاعتبار.

والاعتبار : هو تتبع الطرق من الجوامع والمسانيد والأجزاء لذلك

الحديث الذي يُظن أنه فرد لِيُعلم هل له رواية متابع أوهل له شاهد أم لا ومظنةُ معرفة الطرق التي يحصل بها المتابعات والشواهد وينتفي بها التفرد هو كتب الأصول الحديثية ، وسيأتي الكلام عن الاعتبار في موضعه إن شاء الله.

 

(1) : أخرجه ابن ماجه بلفظه في سننه (افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم ، باب من بلغ علماً ، ج1/86 رقم الحديث 236) من حديث أنس بن مالك مرفوعاً ، والحديث أخرجه  بمعناه الأربعة إلا النسائي.

(2) : متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو.

(3) : حديث لا أصل له ،  قال أحمد : أربعة أحاديث تدور على ألسنة الناس ولا أصل لها عن رسول الله ” من آذى ذمياً فأنا خصمه يوم القيامة ” ، و ” من بُشر بخروج آذار بشر بالجنة ” ، و”يوم نحركم يوم فطركم” ، و ” للسائل حق وإن جاء على فرس “. [ بدر الدين أبو محمد محمود ابن أحمد العيني ، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ، الطبعةالأولى،1392هـ/ 1972م ، 15/89 ].

(4) : سبق تخريجه صفحة (9) ، رقم التعليقة (2).

(5) : متفق عليه.

(6) : متفق عليه.

(7) : متفق عليه من حديث أبي هريرة.

(8) : أخرجه الترمذي في سننه ( كتاب فضائل القرآن ، باب ما جاء في فضل قارئ القرآن ، ج5/171 رقم الحديث 2905).

(9) : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال  ” : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء ، وعن هبته ” متفق عليه.

(10) : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الإيمان بضع وستون شعبة  ، والحياء شعبة من الإيمان” متفق عليه.

(11) : الحديث حسن لغيره ،وقد أخرجه أحمد وغيره ، وخَرَّجَتْه بكافة طرقه وشواهده ” أم محمد البيضاني حفظها الله ” في كتابها ” حكم البسملة عند الوضوء ” .

(12) : أخرجه أبو داود في سننه ( كتاب الطهارة ، باب [ في ] المجروح يتيمم ، ج1/145 رقم الحديث 336) ، والحديث حسن إن شاء الله.

(13) : أخرجه الأربعة في السنن ، وهو  حديث صحيح.

(14) : ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني ، نزهة النظر شرح نخبة الفكر ، مصدر سابق ، (ص28،29).

0 0 votes
Article Rating

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments