نصيحة لأهل الجزائر

أضيف بتاريخ: 14 - 08 - 2016 | أضيف في: الفتاوى الشرعية| عدد المشاهدات : 1٬710

سؤال الفتوى: شيخنا الحبيب إخوانك وطلابك بالجزائر يبلغونك السلام، ويسألون الله أن يمتعك بالصحة والعافية، ويسألونك توجيه نصيحة لطلاب العلم الذين يتكلم بعضهم في بعض حيث توسعت دائرة الخلاف بينهم وصار كل فريق يجرح الآخر وبعضهم قريب عهد بتدين وجزاك الله خيرا


الفتوى الصوتية

تحميل


< جواب الفتوى >

الجواب حسب النص من الشريط الصوتي :

وعليك وعليهم السلام، والخلاف يا إخواني شر، فطلاب العلم هم صفوة المجتمع وخيرته، فإذا اختلفوا في ما بينهم واشتغل بعضهم في الكلام على بعض فإنهم سينشغلون بذلك عن طلب العلم والدعوة ونصيحة الأمة وسيجعلون العامة يضحكون عليهم.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري عن ابن عباس : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : ” الصحة و الفراغ “.

فلا تضيعوا وقتكم وصحتكم يا إخواني في الكلام الذي يضركم فإن نبيكم عليه الصلاة والسلام كان يحافظ على وقته ويشغله في طاعة ربه : نعم إخواني  { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)}

لقد ثبت في الصحيحين انفراده بالخلوة مع الله كل ليلة ليقوم الليل ويتضرع تقول عائشة : ” إن نبي الله عليه الصلاة والسلام كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه ، فقالت عائشة : لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : أفلا أحب أن أكون عبدا شكوراً “

فهل أنتم ممن يقوم الليل؟

وثبت عند الترمذي وغيره محافظته على مستحب الصوم كالاثنين والخميس ، والأيام كعاشوراء وعرفة ومعظم شعبان ونحو ذلك وكان يقول : ” تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم.

فهل أنتم كذلك يا طلاب العلم؟

وثبت عنه خدمته لأهله في أعمال البيت ، ففي البخاري : سئلت عائشة ” ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصنع في بيته ؟ قالت كان يكون في مهنة أهله ـ  تعني خدمة أهله ـ فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة ” .

فهل أنتم ممن يساعد اهليهم في المنزل؟

وثبت عنه زيارته لمرضى المسلمين وغير المسلمين، ومن ذلك زيارته لسعد بن أبي وقاص عندما مرض ونصيحته له ، وزيارته للصبي اليهودي ودعوته إلى الإسلام ، فما مات الصبي حتى أسلم وأمثلة كثيرة.

فهل أنتم ممن يشغل نفسه بزيارة غيره بقصد النصح والدعوة يا طلاب العلم؟؟.

نعم اخواني وثبت عنه إعانته للمسلمين ، ومن ذلك مساعدته لسلمان الفارسي كما في المسند في تخليصه من الرق قال سلمان : ” أتى رسول الله عليه الصلاة والسلام بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي فقال : ما فعل الفارسي المكاتب قال فدُعيت له فقال : خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان “

وثبت عنه قيامه بمهمة تربية وتعليم الأمة من خلال توجيهاته ووعظه ومنه قوله كما عند الترمذي ” أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام “

وثبت عنه كثرة الاستغفار والتوبة ، ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لصحابته :” والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة “.

وغير ذلك كثير، فهل أنتم كذلك؟

والله إني لآسف على ضياع وقت الطالب من غير أن يُشغله في خير، ما لكم ولاختلاف العلماء خذوا عنهم وانقلوا بلطف وحلم ولا تكونوا رأساً في الخلاف أو الفتنة.

لا تكن سيداً حتى تسود، ولا تسود إلا بالعلم ومن ليس من أهل العلم فلا يخوض في ميدان ليس ميدانه.

أنا أعرف طلابا زاملوني على يد شيخنا الوادعي قبل ربع قرن من الزمن فلما انشغلوا بالخلاف صار بعضهم اليوم كالعامة فانتبهوا حتى لا تندموا.

ثم ما أعظمها من فرية عندما يقوم صبي بلغ من أيام الحلم أو عمره تعدى الصبا وبلغ الثلاثين من عمره ولا زال قريب عهد باستقامة وإذا به قد رفع على رأسه راية الجرح والتعديل.

ثم يجرح ولكن من يجرح؟.

يجرح إخوانه بل ربما جرح وظلم بعض العلماء باسم الدفاع عن السنة، بئس الفعل وبئس الفاعل.

لقد كتبت مقالات كثيرة قبل سنوات أذكر منها مقالا بعنوان : النقد المرغوب ، ومقالا آخر بعنوان : النقد المرفوض، نعم وهناك ثالث عنوانه : المنشقون وشهوة التجريح، وقد قلت فيها أن من يجرح اليوم من صغار القوم : لا يُحتج بتجريحه، أتدرون لماذا : لأنه إما هو مبالغ في الجرح ، أو ناقد لمن لا يستحق النقد  أو أنه أراد الانتقام أو أراد التشفي ، أو التزلف من فلان الذي اتخذه قبلةً وديناً يسير عليه أو أنه أراد الظهور ليقال عنه فلان جلد في السنة، وهو سيف على إخوانه إلا ما رحم ربي

وأيضاً مما قلناه ونكرره يا إخواننا ما ذكرناه في كتابنا المنتقى من الفتاوى :  أن الشخص لا يكون أهلًا للجرح والتعديل إلا بأهلية وتتم الأهلية بشروط أربعة:

الأول : أن يكون عالمًا تقيًا ورعًا فلا يجرح لهوى أو حسد أو غرض دنيوي.

الثاني : أن يكون الرجل ثقة في نفسه غير مجروح العدالة فإن كان مجروحًا فلا يعتد به.

الثالث : أن يكون عارفًا بأسباب ودواعي الجرح .

الرابع : ألا يعرف بالتعصب المذهبي .

وهناك قول ألا يكون قرينا لمن يجرح .

فهل هؤلاء علماء انطبقت في حقهم هذه الشروط

انتبهوا فأنتم مسئولون أمام الله عن كل ما تقولون فكلامكم من الأمانات، قال الله تعالى : ” إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا “

وقال تعالى : إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ “

إخواني بالجزائر وفي كل مكان أقال الله عثرتكم : بلادكم في حاجتكم لردع الفساد بالدعوة إلى الله على بصيرة بعلم وحكمة وحلم فإذا شُغلتم عن الدعوة وعن العلم والحلم فكيف ستنفعون بلادكم ، ثم من سيغير المنكرات إذا كان حالكم هو الاختلاف والتناحر.

أحسنوا الظن بإخوانكم ومن رأيتموه أخطأ فناصحوه بحكمة

فمن ذا الذي ما ساءَ قطْ           ومَنْ لهُ الحسنى فقطْ

ولا تتدخلوا في الخلاف الجاري بين العلماء حتى تسودوا بالعلم وإذا سدتم فستدركون الأمور التي تتدخلون فيها من الأمور التي تتورعون عنها.

كما أوصيكم بالانشغال في طلب العلم فقد كان عالمكم الأسبق في بلاد المغرب :  الإمام  ابن حزم صاحب المحلى – رحمه الله – كان مشغولًا بالدنيا والسلطان ,والإمارة, فدخل يوماً المسجد في وقت الكراهة, وإذا بالمسجد جنازة, فدخل فصلى ركعتين, ثم سلم .فقال له رجل: أتصلي في وقت نهى النبي أن يصلي فيه الرجل؟! وذكّره بحديث عقبة بن عامر الذي في صحيح مسلم: عقبة بن عامر الجهني يقول : ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة وحتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب.

ثم جاء في وقت لاحق ,ودخل ابن حزم إلى المسجد ,فجلس ولم يصل فرآه رجل وقال له: أتدخل المسجد ولا تصلي تحية المسجد والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الجلوس إلا أن يصلي الرجل ركعتين؟!, وذكره بالحديث الذي في الصحيحين ,من حديث أبي قتادة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ” إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس”, فتعجب ابن حزم كيف الاختلاف بين الأمرين. فقال: والله لأطلبن الفقه, فصار أفقه أهل زمانه رحمه الله.

فشرّفه الله  تعالى ,ورفع ذكره ,حتى صار الناس يتحدثون, ويقولون :قال الإمام ابن حزم, فقد آتاه الله فهماً وحجةً  وعلماً ودراية ,حتى تميز في علم الفقه والخلاف, والحديث, وغيرها من العلوم ,وصارت مؤلفاته صدقةً جاريةً, فما من رجل يقرأ في كتب الإمام ابن حزم إلا كان له من الأجر ماله ,رغم أنه طلب العلم وهو في الأربعين من عمره, ولكن لما صَدَقَ نيته مع الله , وفَّقه الله وأعانه  حتى نال الخير الوفير.

نعم اخواني عليكم بالعلم بدلا من ضياع الوقت وكثرة الخلاف لأن الأمة في حاجتكم، ثم يكفيكم فخراً أن طالب العلم يبشر بمبشرات :

أولها : الجنة والدرجات العليا ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة  رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: “ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة “, وقال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ

وثانيها : رضا الملائكة عن طالب العلم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: “وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم”.

وثالثها : استغفار من في السماوات والأرض له كما قال عليه الصلاة والسلام: “وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء”.

ورابعها : رفعة شأن طالب العلم كما قال عليه الصلاة والسلام “وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب”.

وخامسها : تخصيص النبي عليه الصلاة والسلام العلماء دون غيرهم أنهم ورثة الأنبياء فقال “وإن العلماء ورثة الأنبياء”.

وسادسها : الحظ الوافر لمن نال العلم, حيث قال عليه الصلاة والسلام: “وإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر”

لقد جاء في مسلم أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان ,وكان عمر أمير المؤمنين, يستعمله على مكة. فقال :من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى فقال له: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا, قال: فاستخلفت عليهم مولى, قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل”. فقال أمير المؤمنين له: أما إنَّ نبيكم عليه الصلاة والسلام قد قال : “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين”

قال الشافعي :

رأيت العلم صاحبه كريم    ولو ولدته آباء لئامُ

وليس يزال يرفعه إلى أن  ‍  يعظم أمره القوم الكرامُ

ويتبعونه في كل واد      كراعي الضان تتبعها السوامُ

 ‍  فلولا العلم ما سعدت رجال    ‍ وما عرف الحلال والحرامُ

 

فحرام حرام حرام على طالب العلم الذي شرفه الله أن يضيع نفسه بالخلافات التي لا تعنيه وبالقيل والقال، وفقنا الله وإياكم لكل خير والله المستعان.