موقف المسلم الصحيح من ولاة الأمور وممن يتكلم فيهم ويخرج عليهم

أضيف بتاريخ: 17 - 11 - 2016 | أضيف في: الفتاوى الشرعية| عدد المشاهدات : 464

سؤال الفتوى: دار نقاش بيني وبين أحد الإخوة حول أسامة بن لادن، حيث أنه يوافق على تسميته بالبطل، ويقول بأنه أفضل من حكام العرب الخونة، وتكلم على حكّام آل سعود بما يسيء لهم، فقلت له لا يجوز التكلم على الحكام بهذه الصورة،  ونصحته بالاستماع إلى شريط للشيخ محمد بن صالح العثيمين حول موالاة الحكام وعدم الخروج عليهم وشروط فسخ البيعة، فقال لي أنه لا يريد أن يسمع لابن عثيمين وغيره من العلماء لأنهم في نظره موالون للحكام ساكتون عن الحق والساكت عن الحق شيطان أخرس . [1] فما هي الأسباب التي تؤدي بالشباب إلى الوصول لهذه الدرجة من فقد الثقة بالعلماء والحقد على الحكام ؟ [2] ما هي النصيحة التي توجهونها لي أو الطريقة التي تنصحوني بها كي أغير وجهة نظر هذا الشخص وأمثاله من الشباب ؟ وفقكم الله وبارك الله فيكم .


< جواب الفتوى >

أنصح إخواني في الله ألا يُشغلوا أنفسهم بهذه الفتنة فقد أحدث أصحابها الخروج والتكفير وسفك دماء الأبرياء وأذية العلماء والصالحين ونحوها من المحن على المجتمعات الإسلامية وطالما والمسألة تتعلق بالحكام وولاة الأمور فهي مسألة علمية خطيرة شائكة من خصوصيات أهل العلم وليس لعامة الناس أن يخوضوا فيها لأن العالم الراسخ سيربط فتواه بالدليل الشرعي الصحيح الذي لا شبهة فيه, وهو وحده الذي يقدر باب المصالح والمفاسد على ضوء الشريعة الغراء والعامي يغلب عليه العامية و الطيشان والتعجل لغياب التحصيل الذي يؤهله للخوض في ذلك .

وقضية أسامة بن لادن مفروغ منها من زمن طويل فقد تكلم فيها علماء الإسلام ومراجع الأمة وحذروا الناس من هذه الفتنة التي سبقهم إلى مثلها الخوارج في عهد علي بن أبي طالب, ويلزم المسلمين أن يكونوا تبعًا لعلمائهم فإن الله عز وجل ألزمهم بذلك فقال: ” فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ “([1]).

فمن كان يعرف لأهل العلم فضلهم ومقامهم فليسلم لهم الراية في ذلك فإن تبجيلهم واحترام فتواهم الموافقة للحق من طاعة الله ورسوله وعكس ذلك من معصية الله ورسوله, شهد بذلك ربنا جل وعلا فأمر بطاعتهم فقال: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا “([2]).

أما الكلام في حكام آل سعود حفظهم الله فيغلب عليه أنه حرب لدعوة التوحيد الصافية النقية لكون ضعفاء النفوس والمبتدعة ما استطاعوا أن يحاربوا الدعوة السلفية فأعلنوا حربهم لمن دافع عنها بالسيف والكلمة ممن عرفوا بنصرتهم ودفاعهم لدعوة الإسلام التي أقامها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي فلكي يضربوا هذه الدعوة أخذوا يتكلمون في أنصارها وحماتها من آل سعود وفقهم الله, فتبعهم دعاة الخوارج من قطبيين وعامة جهلًا منهم بفقه الواقع الشرعي ولقلة التحصيل العلمي عند مراجعهم _ إن صح أن نقول عنهم كذلك –  فلا أدري ماذا يريد هؤلاء القوم أيريدون أن يسلم الحرم وزمام خدمته لهم ليسفكوا دماء المسلمين كما فعلوا في فتنة جهيمان أو يسلموه لمن يتفطر قلبه حقدًا وعداوةً على دعوة الإمام المجدد أم يريدون أن يُزعزَع نظام دولة التوحيد كي تضعف وتكون لقمة سائغة لليهود والنصارى, لا تصدقوا هؤلاء فوالله ثم والله لهم شر على المسلمين من أعداء الله لأن العدو معروف بعدواته للدين وهؤلاء لقلة علمهم وبصيرتهم نسبوا إلى الدين ما ليس منه وحرفوا سماحته وأحكامه وأظهروا للشعوب والأمم المسلمة بما هم عليه من الضلال المبين أنهم على الدين وما يدعون إلا إليه وهم عنه بعيدون نعوذ بالله من الخذلان .

وإن الدولة السعودية لعلى خطر كبير إن لم تتخذ موقفًا صارمًا من هؤلاء الذين أضلوا أممًا وشعوبًا وأضروا العباد وأفسدوا على الناس دينهم وعقائدهم لا كثرهم الله, وإنهم في ازدياد وهكذا الباطل يكثر أتباعه ويزدادون بمجرد باطل أو شبهة يقذفها داعية من أدعياء الفتنة نسأل الله السلامة والعافية.

حتى تسبب هؤلاء النفر – الذين ناصروا أسامة بحق وبباطل – في زعزعة الثقة بكبار العلماء وسلطوا العامة والمغفلين للخروج على حكامهم والكلام فيهم وفي علماء الأمة حملة الشريعة .

فأين نحن من قول نبينا عليه الصلاة والسلام: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”([3]).

وفي رواية أخرى: ” ويعرف لعالمنا حقه “([4]).

ولا يتكلم شخص فيهم إلا وفي قلبه زيغ وضلال .

وكذا لا يجوز الكلام في حكام المسلمين ولا الخروج عليهم إلا بفقد خصلة من خصلتين :

الأولى : إن تركوا الصلاة المفروضة لما أخرجه الإمام مسلم عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم “قيل يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف([5]) فقال: ” لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة “([6]).

الثانية : إن أظهر الكفر البواح عندنا فيه من الله برهان فإن كان مبنيًا على شبهة فلا يجوز الخروج عليهم لما أخرجه الشيخان عن عبادة بن الصامت قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه([7]) فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحًا([8]) عندكم من الله فيه برهان([9])([10]) .

فلا يجوز الخروج عليهم إلا بوجود واحدة من هاتين الخصلتين وفيما دون ذلك فيلزم الطاعة – ولا طاعة إلا في المعروف – حتى وإن حصل من حكامنا الظلم أو الفسق.

ففي صحيح مسلم  قال حذيفة بن اليمان : قلت: يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر ؟

قال: ” نعم “

قلت: هل وراء ذلك الشر خير ؟

قال: ” نعم “

قلت : فهل وراء ذلك الخير شر ؟

قال: ” نعم “

قلت :كيف ؟

قال: ” يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس “

قال : قلت كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟

قال: ” تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع “([11]).

فأين هؤلاء القوم من هذا الحديث وأمثاله من الأدلة ؟!

ويمكن حصر الأسباب التي أدت بالشباب إلى زعزعة الثقة بكبار العلماء وحكام المسلمين في النقاط الآتية :

قلة التحصيل العلمي الصحيح لدى شباب الأمة وعامة الناس, لذا تلقفوا ما جاءهم من أهل الفتنة بأيسر الطرق .
وجود دعاة الفتنة الذين قلت بصائرهم والذين أخذوا يتأولون بعض الآيات والأحاديث وينزلونها في غير موضعها في الحكام وعلماء الإسلام بطريقة سبقهم إليها أجدادهم من الخوارج والمبتدعة .
ادعاؤهم أنهم فقهاء الشرع والواقع وكبار العلماء فقهاء الشرع ونصص بعضهم وقال : علماء الحيض والنفاس, وقال آخر : عبيد العبيد, رئيسهم نصراني .
دعوة هؤلاء النفر  شباب الإسلام إلى متابعة السياسات بقراءة المجلات والجرائد واستماع الأخبار وأن هذا من فقه الواقع الذي لا يجهله إلا جاهل حتى حمل الشباب على علمائهم وقالوا ليس عندهم معرفة بفقه الواقع فلا يُعتمد إلا على من جمع بين العلم الشرعي والواقع العملي اعتقادًا أن دعاة الفتنة هم الذين جمعوا العلمين وهم عنهما بعيدون كل البعد .
امتلاك هؤلاء الدعاة وسائل عديدة مرئية ومسموعة ومقروءة بثوا بواسطتها سمومهم وأفكارهم حتى أضلوا الأمة وشككوهم في علماء الإسلام حملة الشريعة .
هذه في اعتقادي أهم الأسباب التي أضرت علماء الإسلام وزعزعت ثقة بعض الناس في علمائهم .

ورغم هذه الفتنة العظيمة إلا أن الخير لا زال ظاهرًا في أوساط الأمة الإسلامية, فدعوة أهل السنة والجماعة بحمد الله قائمة على قدم وساق رغم هذه الأعاصيف والمؤامرات على علماء الإسلام من الداخل ومن الخارج ولا زال في هذه الأمة أمة باقية على هذا الخير ومراجع ترجع إليهم الأمم والشعوب عند ظهور مثل هذه الفتن, فهاهم العلماء الأجلاء أمثال سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والشيخ صالح الفوزان والشيخ ربيع بن هادي المدخلي والشيخ عبد الله الغديان والشيخ عبيد الجابري وأمثالهم حفظهم الله ورفع عنهم كل سوء ومكروه اللهم آمين .

وقد سخرهم الله خدمًا لهذه الدعوة المباركة منافحين ومدافعين فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم ولا يضل بسببهم متابعهم نحسبهم على خير والله حسيبهم ونأنس بقولهم ونصيحتهم ونعض عليها بالنواجذ ولا نخرج عن ذلك إلا ما خالف الحق وإجماعهم من إجماع المسلمين, وقد بينوا للأمة تبعًا لأسلافهم خطر هؤلاء الذين يغرفون هم والخوارج من بئر واحدة ظاهرها الصفاء وباطنها التكدير والمرارة نسأل الله الثبات .

لقد لفت هؤلاء النفر لا كثرهم أنظار الشرق والغرب نظرة كراهية وبغض, بغضًا وكرهًا على بغض قديم فازداد البغض فسفكت بسببه دماء زائدة وازدادت الحروب ضد المسلمين من كل حدب وصوب حتى استضعفنا الأعداء عن بكرة أبينا بعد أن كان الأعداء يهابون المسلمين ويخشون سطوتهم واليوم أوجدوا هذا التشتت والتفرق في أوساط الأسرة الإسلامية الواحدة فإلى الله وحده المشتكى .

أما النصيحة التي نوجهها إلى هذا السائل لعله أن ينصح المغترين بهؤلاء النفر أن يعاملهم معاملة حسنة وأن يدعوهم بالتي هي أحسن – بالحكمة والموعظة الحسنة – وأن يذكرهم بالله وحده وأن يُشْعر الجميع بأنه يلزمهم أن يعودوا إلى ما كان عليه حالهم قبل هذه الفتنة فإن الناس كانوا مبجلين ومقدرين لعلمائهم ويلزم عند ظهور الفتن أن يكونوا على نفس الجادة السابقة هكذا علمنا الإسلام لقول المصطفى الكريم: ” إنها ستكون فتنة “.

قالوا: فكيف بنا يا رسول الله ؟وكيف نصنع ؟

 قال: ” ترجعون إلى أمركم  الأول “([12]).

ثقتنا في أئمتنا في القديم لا بد أن نرجع إليها عند ظهور الفتن لأنها وصية رسولنا عليه الصلاة والسلام, من زعزعنا في ذلك تركناه وشأنه لا نقبل  منه في التشكيك لا صرفًا ولا عدلًا؛ وبالله التوفيق .


([1]) سورة النحل, الآية (43).

([2]) سورة النساء, الآية (59).

([3]) أخرجه الترمذي في سننه [كتاب البر والصلة, باب ما جاء في رحمة الصبيان(7/376 رقم 2043)] من حديث أنس بن مالك .

([4]) أخرجه أحمد في مسنده [باقي مسند الأنصار, حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه(5/323 رقم 22807)] من حديث عبادة بن الصامت.

([5]) أفلا نعزلهم ولا نطرح عهدهم ولا نحاربهم عند ذلك.

([6]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإمارة, باب خيار الأئمة وشرارهم(3/ 1481 رقم 1855)] من حديث عوف بن مالك.

([7]) عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية فهي إعطاء الطاعة مقابل الجنة والخير في الدنيا.

([8]) ظاهرًا باديًا.

([9]) دليل وبيان من حديث أو قرآن.

([10]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الفتن, باب قول النبي صلى الله عليه وسلم( سترون بعدي أمورا تنكرونها )(6/2588 رقم 6647)], ومسلم في صحيحه [كتاب الإمارة, باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية(3/1469 رقم 1709)] كلاهما من حديث عبادة بن الصامت.

([11]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإمارة, باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة(2/1475 رقم 1847)] من حديث حذيفة بن اليمان, وبعض العلماء ضعف زيادة “وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع”.

([12]) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير [الحارث بن عوف أبوواقد الليثي ويقال الحارث بن مالك ويقال عوف بن مالك ويقال الحارث بن عوف(3/249 رقم 3308)] من حديث أبا واقد الليثي.