القاعدة الثالثة : المغيبات التي أخبر عنها الشرع لا تُدرك بالعقل ، وإنما تُدْرَك بالنقل

أضيف بتاريخ: 06 - 09 - 2016 | أضيف في: مباحث في العقيدة| عدد المشاهدات : 229

القاعدة الثالثة : المغيبات التي أخبر عنها الشرع لا تُدرك بالعقل ، وإنما تُدْرَك بالنقل

العقلُ مقيدٌ بعالم الحس ، لا عملَ له في الحكم على عالم الغيب ،وذلك لأن القوة العاقلة فينا التي تجمع بين المصورة ، والذاكرة والمخِيْلة والذكاء، تقوم بعملها الجبار في التحليل والتركيب ، والجمع والتفريق، واستنتاج القواعد العامة ، والكليات ، وقياس الأشباه والنظائر على بعضها ، بعد أن تنقل الحواس المختلفة إلى الصورة أشرطة مشاهداتها في الكون :


1.  
شريط المرئيات .
2.  
شريط المسموعات .
3.  
شريط المذوقات .
4.  
شريط المشمومات .
5.  
شريط الملموسات .
6.  
شريط الوجدانيات الداخلة في الإنسان .
ثم تكون أحكامها مقيدة بحدود هذه الأشياء التي جاءتها عن طريق الحواس .
وهذه القوة العاقلة فينا لا تستطيع أبداً أن تصدر أحكامها على مغيبات لم يعرض أمامها شريط مسجل عنها ، لأنكل حكم تحكم به إنما تقوله وتصدره متأثرة بواقع أشرطة الحواس الخمس التي جاءتها عن طريقها .
وعالم الغيب يختلف عن عالم الحس كل الاختلاف ، فلا يمكن الحكم عليها بالتشابه .
والقاعدة الثابتة عند العلماء : أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره .
فعالم الغيب لا تستطيع عقولنا أن تحكم على شيء فيه بنفي أو إثبات استقالاً ذاتياً ، إلا أن يأتيها خبر يشهد العقل بإمكان وجوده ، وبصدق ناقله ، وعند ذلك تسلم بمضمونها تسليماً تاماً دون مناقشة أو اعتراض .
وحيث أن عالم الحس فينا محدود ،فالعقل فينا محدود أيضاً ، فكما أن البصر له حد ينتهي إليه فكذلك العقل له حد ينتهي إليه .
وإذا كان العقل كما أوضحنا عاجزاً عن فهم أشياء في الكون ، وعاجزاً عن إدراكها والاحاطة بها بصورتها الحقيقية فهو عن إدراك صورةٍ لحقيقة الأمور الغيبية التي هي وراء الطبيعة أضعف وأعجز(1).
فلا يمكن للعقل أن يدرك الأمور كلها وخصوصاً الشرعية وبالأخص المغيبات منها كفتنة القبر ونعيمه وجحيمه ، وحوض المصطفى عليه الصلاة والسلام ، والصراط الذي يمد بين الجنة والنار ، والقنطرة وما إلى ذلك من المغيبات التي صحت بصرائح الكتاب والسنة الصحيحة .
فلا حيا الله الفلاسفة والمعتزلة ومَن نحا نحوهم من منكري هذه الحقائق بحجة أن العقل لا يُثْبِتُ مثل ذلك .
وقد دلت صرائح النقل السمعية على أن أمر الغيب من خصوصية الملك العلام.
فقال جل في علاه : وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ(2).
وقال سبحانه :” قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ”(3).
وقال سبحانه : “وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ، وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ”(4).
وقال سبحانه :” قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ”(5).
وغيرها من الآيات كثير.
ومن الأدلة الواردة في السنة :
حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : لا يعلم أحد ما يكون في غد ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ، وما يدري أحد متى يجيء المطر”(6).
وحديث الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت : ” جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حين بُني علي فجلس على فراشي كمجلسك مني ، فجعلت

جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من أبائي يوم بدر ، إذ قالت إحداهن : وفينا نبي يعلم ما في غد.

فقال : دعي هذا ، و قولي بالذي كنت تقولين”(7).
بمعنى : اتركي ما يتعلق بمدحي الذي فيه الإطراء المنهي عنه مما يتعلق بالغيب ونحوه.
وقولي الذي كنت تقولين : أي من ذكر المقتولين ونحوه.
فليت شعري أيها الفلاسفة والمعتزلة ومَن نحا نحوهم متى كان العقل يدرك كل شيء ؟!! ، أَوَ مَا أدركت عقولهم أن حججهم واهية ، وشبههم داحضة ، وأفكارهم حائرة ،ومداركهم خاوية ؟!!
أَوَ مَا أدركت عقولهم أنهم بشرٌ لا صفاء في عقولهم ، ولا استقامة في أقلامهم ، ولا حقائق في أحكامهم ؟!!
ولكن لا سبيل لهدايتهم إلا أن يشاء الله ” َتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً “(8).
ومِنْ ثَمَّ : ” وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً ، أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ، لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ،وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”(9).
وهكذا حال من أعرض عن هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وهدي صحابته الكرام ، فلا حيا الله من أعرض وتطاول .
———–

(1) القريبي د. إبراهيم بن إبراهيم القريبي ، مغني المريد في التوحيد مصدر سابق ، ص9ـ10.
(2) سورة آل عمران الآية رقم : 179.
(1) سورة الأنعام  الآية رقم : 50.
(2)
سورة الأنعام الآية رقم : 59.
(3)
سورة النمل الآية رقم :65.
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه رقم 992.
(7)
أخرجه البخاري في صحيحه رقم 4852.
(8)
سورة النساء الآية رقم: 88.
(9) سورة المائدة ، الآية رقم : 41.
2 1 vote
Article Rating

اترك رد

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments