الحمد لله وصلى الله على رسول الله ، وعلى آله ومن اهتدى بهداه، أما بعد فالتدخين تكلمنا عن حكمه وبيناه على ضوء الأدلة الواردة في الكتاب والسنة، لما لا يحتاج إلى إعادة، والسائل لا يسأل عن حكم التدخين وإنما يسأل عن مسألة مهمة وهي مسألة من كان مدخن لفترة طويلة ثم قرر العودة إلى الله عز وجل بترك هذا التدخين، فهل يتركه نهائياً أم يتدرج قليلاً قليلاً ، حتى يبتعد منه، فالجواب : الناس في هذا الباب على قسمين،
القسم الأول : من إذا ترك التدخين كلياً لم يجد صعوبة مضرة، ربما يجد تعباً بسبب هذا الترك ، لكن ليس مضراً ، فهذا يجب عليه أن يتخلص منه، لأن من تاب من معصية فيجب عليه أن يتركها على الفور، لأن الله عز وجل يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً ) ، وهذا هو الأصل،
والقسم الثاني : من المدخنين من إذا ترك التدخين كلياً مرة واحدة تضرر، وربما تعرض للهلوسة، فهذا نقول له لا يجوز لك أن تترك التدخين إلا بالتدريج ،
لماذا ؟؟ لأن الشخص هذا دخن فترة طويلة حتى صار أثر الدخان في عروقه ودمه، فإذا انقطع عنه تغيرت حياته وتضرر، والشريعة الإسلامية إنما قامت وجاءت بأحكامها لدرء المفاسد وجلب المصالح، ولذلك قعد الفقهاء قاعدة أخف الضررين، وقالوا يؤتى بالضرر وبأخفه لدفع ضررين، أو لدفع ما هو أعظم، والشريعة الإسلامية لم تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة، وإنما تدرجت الأحكام، جاء في الخمر ( لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) ، نقل للناس الخمر حرام فاتركوها ، قال (( لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) بمعنى لا يجوز شرب الخمر قبيل الصلاة، ثم بعد ذلك نزلت الآية الأخرى ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا )، لذلك جاء التقرير في باب التدريج قال فيهما (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا )، إذاً ما زال الخمر ليس حراماً في هذه، الآية أو التي قبلها قبيل الصلاة ، ثم جاءت الآية الثالثة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فالشريعة الإسلامية تمهد للأمور المضرة، كذلك الإنسان إذا وقع في مضر فإن تركه تضرر ، فنقول له اعمل بالتدريج ، حتى لا تضرر أنت ، لأن من الناس من إذا تركه كليا تضرر أصيب بالهلوسة وما أشبه ذلك، وقد جيء لي بشاب متزوج أتى به طالب من الطلاب الذين يحضرون الدروس عندنا ، قال هذا أخي ومعه أخ آخر ، وإذا بهذا الأخ كالمهلوس ويبكي، وعمره قرابة ثلاثين سنة أو أكثر وهوويبكي وهو متزوج وعنده أبناء، ، فتعجبت لماذا ؟؟؟ ماذا حصل !!!! ، فقال أخوه الذي يدرس في الحلقة ، قال لي هذا يشرب الدخان، ومنعناه من الدخان وحبسناه عن الدخان، لأنه حرام لا يجوز، فتفاجأنا به على هذا الحال، فقال دلوني على البيضاني فجاءوا ولما وصلوا إلي، فقلت لهم لا ينبغي لكم دعوه يعود إلى التدخين ويتركه بالتدريج ، قالوا لي قال لنا الطبيب هذا الكلام ، وقال بأنه يضره إن ترك التدخين كلياً، فالجواب أيها الأخ الكريم إذا كنت من القسم الثاني ممن يتضرر من التدخين فعليك أن تتركه بالتدريج، لا شك أن التدخين من الأمور الخبيثة، ففيه إسراف والإسراف حرام، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )، وأيضا أنه مضر بالصحة والله عز وجل يقول (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) وقال ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )
وأيضا أنه سبب من أسباب وجود الأمراض الخطيرة ، كالسرطان والعياذ بالله، وانسداد الشرايين، وما أشبه ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما ثبت عنه قال (لا ضرر ولا ضرار)، فلا يجوز تعاطي الدخان وعند الترك الناس يختلفون فمن لم يستطع أن يتركه جملة واحدة لا مانع أن يتدرج وأن يخفف منه يومياً بالتدريج حتى يتخلص من هذا الأمر الخبيث وبالله التوفيق،،