أضيف بتاريخ: 27 - 08 - 2016 |
أضيف في:مباحث في الحديث|
عدد المشاهدات : 1٬818
مراحل تدوين الحديث وعلومه
لقد كان الناس على عهد رسول الله عليه الصلاة يتلقون الأحاديث منه مباشرةً ، وكان الصحابة آنذاك فريقين قوم يحفظونه عن ظهر قلب وهم الأكثر ، وآخرون يكتبونه ويدونونه في الصحف(1) ، ولما مات عليه الصلاة والسلام ظل الناس يتناقلونه جيلاً بعد جيل بهاتين الطريقتين حتى ظهرت مدرسة الرأي وبدأ الكذب يظهر في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام من ضعاف النفوس والمندسين في صفوف المسلمين فخشي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من خطر ذلك فدعا إلى تدوين الحديث النبوي وجمعه في كتاب أو كتب مستقله فتصدر لذلك رجلان حافظان هما أبو بكر ابن حزم ، ومحمد بن مسلم الزهري، وكان الظفر في هذا الميدان للزهري وذلك في بداية المائة الثانية.
ثم تسابق المحدثون في هذا القرن إلى تدوين كل ما وقفوا عليه
من الأحاديث والآثار دون أن يفردوا الأحاديث على حده بل جمعوا الحديث ممزوجاً بأقوال الصحابة والتابعين.
فظهر في هذا القرن الإمام عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري المتوفى سنة 155هـ وكتابه يُعد بعد كتاب الزهري أول مصنف في علم الحديث واسمه “السنن” ثم تلاهما ربيع بن صبيح السعدي البصري من أتباع التابعين المتوفى سنة 160هـثم صنف سفيان بن عيينة ومالك بن أنس بالمدينة المنورة ، وعبد الله بن وهب بمصر ،ومعمر وعبد الرزاق باليمن ، وسفيان الثوري ومحمد بن فضيل بن غزوان بالكوفة ، وحماد ابن سلمة وروح بن عبادة بالبصرة ، وهشيم بواسط ، وعبد الله بن مبارك بخراسان.
وكان مطمح نظرهم ومطرح بصرهم بالتدوين ضبط معاقد القرآن والحديث ومعانيهما ثم دونوا فيما هو كالوسيلة إليهما كغريب الحديث والناسخ والمنسوخ والجرح والتعديل ونحوها.
وفي أوائل القرن الثالث : ظهرت فكرة تجريد الحديث الصحيح
وأفراده بالتدوين.
فظهر شيخ الإسلام وحسنة الأيام محمد بن إسماعيل البخاري المتوفي سنة 256 هجرية فألف كتابه الموسوم بـ ” الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه” في الحديث الصحيح المجرد وهو أول من ألف في ذلك ثم تلاه تلميذه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري المتوفي سنة 261هجرية – فألف كتابه الصحيح حيث حذا فيه حذو البخاري ثم تسابق العلماء فأفردوا كتباً كثيرة في الأحاديث وأخرى في الآثار.
ولما جاء القرن الرابع غلب على أعلامه تهذيب تلك الكتب المؤلفة وتبويبها والاعتناء بها وجمع ما اشتملت عليه من الأحكام والفوائد ونحو ذلك. ويظهر أن مرحلة التدوين انتهت بنهاية هذا القرن.
وفي هذا القرن بدأ الاهتمام بوضع قواعد مصطلح الحديث فظهر شيخ الإسلام القاضي أبو محمد الرامهرمزي المتوفى عام 360 هجرية وألف فيه كتابه : المحدث الفاصل بين الراوي والواعي.
قال الحافظ ابن حجر : ” لكنه لم يستوعب ، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري لكنه لم يهذب ولم يرتب ، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل على كتابه مستخرجاً وأبقى أشياء للمتعقب ، ثم جاء الخطيب أبو بكر البغدادي فصنف في قوانين الراوية كتاباً سماه ” الكفاية ” وفي آدابها كتابه ” الجامع لآداب الشيخ والسامع ” وقلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنَّف فيه كتاباً مفرداً ، ثم جاء بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب فجمع القاضي عياض كتاباً لطيفاً سماه ” الإلماع إلى أصول الرواية والسماع ” ، وأبو حفص الميَّانجي جزءً سماه ” ما لا يسع المحدث جهله ” إلى غير ذلك من التصانيف التي اشتهرت وبُسِطت واخْتُصِرت إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهرزوري نزيل دمشق فجمع لمَّا وَلِي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور ” المقدمة” فهذب فنونه وأملاه شيئاً بعد شيء ، فلهذا لم يتناسب وضعه ، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة فجمع في كتابه ما تفرق في غيره ، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره ما بين ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومنتصر ومعارض له ومقتصر”(2).
إلى أن جاء الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني المصري الشافعي فلخَّص المهم من هذا الاصطلاح مما جمعه في كتابه الحافظ ابن الصلاح مع فرائد ضُمَّتْ إليه وفوائد زيدت عليه في أوراق قليلة هي في نفسها جليلة سماها ” نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر” ثم شرحها بكتاب سماه ” نزهة النظر ” ، كما ألف كتاب ” النكت على مقدمة الصلاح” وكتباً أخرى في الطبقات والرجال والشروح واهتم اهتماماً بالغاً بعلوم الحديث حتى صار الناس عيالاً عليه في هذه الصناعة إلى يومنا هذا.
وبهذه المقدمة التاريخية الموجزة يتبين أن مراحل تدوين الحديث أو علم الحديث روايةً متقدمة عن مراحل علم الحديث دراية ، والله الموفق.
شبهة :
أثار بعض المستشرقين شبهة حول تدوين السنة فقالوا : المؤرخون المسلمون يقولون إن السنة لم تدون إلا في عهد الزهري وبين الزهري ومحمد عليه الصلاة والسلام أكثر من مائة عام ، فكيف تكون السنة محفوظة والزهري لم يدرك النبي عليه الصلاة والسلام ؟!
والجواب : أنها شبهة داحضة لعدة أمور :
الأول : أن روايات الزهري كانت سماعاً بواسطة مشايخه عن تابع التابعين عن التابعين عن الصحابة بالأسانيد المحفوظة ولم يرو عن رسول الله عليه الصلاة والسلام مباشرة.
الثاني : أن بعض الصحابة كما تقدم كانوا يكتبون منهم من يحفظ ، فينقل عنهم التابعيون كتابة أو مشافهة ، وعن التابعين أو تابعيهم أخذ الزهري وغيره.
الثالث : أن الزهري إنما روى بعض مسموعاته ولم يرو أحاديث السنة كلها ،فهناك الكثير من الروايات الصحيحة التي هي عن غير الزهري.
الرابع : أن الكتاب الذي قيل إن الزهري جمعه مفقود ولو كان محفوظاً لما كان هو السنة دون غيره من الأحاديث باتفاق المحدثين.
وهذا يعني أن السنة حفظها أئمة كثيرون وتناقلوها كتابة ومشافهة بأسانيد متصلة وأن الزهري إمام من أولئك الأئمة جمع ما وقف عليه من المرويات ولم يجمع سنة النبي عليه الصلاة كلها ولم يتفوه بذلك إمام معتبر ، فبئس ما قال المستشرقون.
(1) : أخرج الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الزهد والرقائق ، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم ، ج4/2298 رقم الحديث 3004 ) عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :” لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه”.
قال القاضي : كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف ، واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي ، فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث :” اكتبوا لأبي شاه” ،وحديث صحيفة علي رضي الله عنه ، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات ، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنساً رضي الله عنه حين وجهه إلى البحرين ، وحديث أبي هريرة :” أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب ” وغير ذلك من الأحاديث ، وقيل إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمن ذلك أذن في الكتابة ، وقيل : إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ .أهـ.
[ أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي ، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1392هـ ، 18/129. ]
(2) ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني ، نزهة النظر شرح نخبة الفكر ، مكتبة طيبة ، المدينة ، الطبعة الأولى ، 1404هـ ، (ص16،17) بتصرف.