أضيف بتاريخ: 09 - 11 - 2016 |
أضيف في: الفتاوى الشرعية|
عدد المشاهدات : 57
سؤال الفتوى: متى يجوز للرجل أن يكون متصدرًا وأهلًا للجرح والتعديل ؟
< جواب الفتوى >
يكون الرجل أهلًا للجرح والتعديل إذا تحققت عنده أهلية ذلك وتتم الأهلية بشروط أربعة:
الأول: أن يكون الرجل ثقة في نفسه غير مجروح العدالة فإن كان مجروحًا فلا يعتد به.
الثاني: أن يكون عالمًا تقيًا ورعًا فلا يجرح لهوى أو حسد أو غرض دنيوي.
الثالث : أن يكون عارفًا بأسباب ودواعي التجريح .
الرابع : ألا يعرف بالتعصب المذهبي .
فإذا اتفقت هذه الشروط في الشخص حُقَّ له أن يكون معدلًا أو مجرحًا لأن مثله سوف يتصف بالعدل والأمانة, والله عز وجل يقول في كتابه الكريم : ” إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا([1]) يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا “([2]).
وقال تعالى: ” إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى([3]) وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ([4]) يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا([5]) إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ “([6]).
فلا ينبغي لعامة الناس وطلاب العلم أن يخوضوا في التجريح حتى تتم فيهم هذه الشروط بشهادة وإجازة أهل هذا الشأن للمجرح في كونه أهلًا لذلك إلا في ستة مواضع فيجوز فيها الجرح, وإن لم يكن الرجل عالمًا بعلم الجرح والتعديل بشرط أن يكون تقيًا ورعًا, وهذه المواضع مذكورة في قول أحدهم :
القدحُ ليس بغيبةٍ في ستةٍ
متظلمٍ ومعرفٍ ومحذرِ
ومجاهرٍ فسقًا ومستفتٍ ومَنْ
طلبَ الإعانةَ في إزالةِ منكرِ
فهذه المواضع الستة لا يشترط فيها أن يكون الشخص عالمًا بالجرح والتعديل وإنما يشترط التقوى والورع حتى لا يكون الناقد قصد أمرًا سيئًا .
فالمتظلم هو المظلوم الذي طلب الإنصاف فإذا لم يكن إنصافه إلا بذكر معايب الظالم جاز له أن يذكر هذه المعايب حسب الحاجة لمن احتكم إليه كي ينصفه من الظالم .
وفي هذا المقام يقول تعالى : ” لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا “([7]).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه([8]) فأغلظ([9]) فهمَّ به أصحابه([10]) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا([11]) ” ثم قال: ” أعطوه سِنًَّا مثل سِنِّه”ِ قالوا يا رسول الله إلا أمثل([12]) من سِنِّهِ, فقال : “أعطوه فإن من خيركم أحسنكم قضاء”([13]) .
والمعرِّف هو من يذكر الشخص بلقبه أو نسبه أو صفته وإن كان مكروهًا لدى المذكور إذا قصد المتكلم تعريفه لا تعريته فيقال الأعرج والأعمش والأعمى وهلم جرًا .
ومنه قوله تعالى: ” عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَاءهُ الْأَعْمَى “([14]) .
والمحذر من يحذر إخوانه المسلمين ببيان شر المحذر منه كي يبتعدوا عنه حتى لا يقعوا في الشر.
ومن ذلك قوله تعالى في حق المنافقين : ” وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ([15]) عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى([16]) يُؤْفَكُونَ([17]) “([18]).
وفي صحيح مسلم : قال عبد الله بن المبارك قلت لسفيان الثوري إن عباد بن كثير من تعرف حاله وإذا حدث جاء بأمر عظيم فترى أن أقول للناس لا تأخذوا عنه قال سفيان بلى قال عبد الله فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد أثنيت عليه في دينه وأقول لا تأخذوا عنه .
وقال محمد حدثنا عبد الله بن عثمان قال قال أبي قال عبد الله بن المبارك انتهيت إلى شعبة فقال: هذا عباد بن كثير فاحذروه.
وقال الفضل بن سهل : سألت معلى الرازي عن محمد بن سعيد الذي روى عنه عباد فأخبرني عن عيسى بن يونس قال كنت على بابه وسفيان عنده فلما خرج سألته عنه فأخبرني أنه كذاب([19]).
وهذا النوع في من تبين شره وضرره وصار واضح الشر أو حذر منه أهل العلم إما بسبب فسقه أو بدعته.
وأما المجاهر بالفسق فهو من يجاهر بالمعصية .
وقد جاء عن الصلت بن طريف أنه قال قلت للحسن : الرجل الفاسق المعلن بفجوره ذكري له بما فيه غيبة له ؟ قال: لا ولا كرامة.
وأما المستفتي فهو من يطلب الفتوى فإذا كانت الفتوى تتعلق بذكر مقصر أو ظالم في حق المستفتي فلا بأس أن يذكر ذلك للمفتي حسب الحاجة ويؤيد ذلك ما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت : قالت هند أم معاوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبا سفيان رجل شحيح([20]) فهل علي جناح([21]) أن آخذ من ماله سرًا, قال: ” خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف”([22]) .
وأما الاستعانة بالغير فتتم بدعوة أخيك المسلم لمساندته في إزالة هذا المنكر بذكر من يزاول المنكر .
وهذه المواضع شرطها تقوى الله والورع وأن يجرح الجارح حسب الحاجة وأن يكون الدافع لذلك كله نصرة الحق وأهله وإخماد الباطل وحزبه؛ وبالله التوفيق.
([1]) نعم ما.
([2]) سورة النساء, الآية (58).
([3]) إعطاءِ الأقارب حقهم(صلة الرحم ..) وما ينفعهم ويحتاجون إليه.
([4]) الظلم.
([5]) شاهدًا ورقيبًا.
([6]) سورة النحل, الأية [91,90] .
([7]) سورة النساء, الآية (148).
([8]) يطلب منه قضاء الدين.
([9]) بالتشديد في المطالبة من غير قدر زائد.
([10]) أراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذوه بالقول أو الفعل لكن لم يفعلوا أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
([11]) صولة الطلب وقوة الحجة لكن مع مراعاة الأدب المشروع.
([12]) لم نجد إلا أفضل.
([13]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الوكالة, باب الوكالة في قضاء الديون(2/809 رقم 2183) ], ومسلم في صحيحه [كتاب المساقاة, باب من استلف شيئا فقضى خيرا منه و( خيركم أحسنكم قضاء)(3/1225 رقم 1601)] كلاهما من حديث أبي هريرة.
([14]) سورة عبس, الآية [2,1].
([15]) نادى مناد في العسكر أو ارتفع صوت ظنوا أنهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب.
([16]) كيف.
([17]) يصرفون عن الحق.
([18]) سورة المنافقون, الآية (4).
( ([19]أخرجه مسلم في صحيحه [المقدمة, باب بيان أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة(1/12)].
([20]) بخيل.
([21]) إثم.
([22]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب البيوع, باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة(2/769 رقم 2097)], ومسلم في صحيحه [كتاب الأقضية, باب قضية هند( 3/1338رقم 1714)] كلاهما من حديث عائشة
مرتبط