أضيف بتاريخ: 15 - 11 - 2016 |
أضيف في: الفتاوى الشرعية|
عدد المشاهدات : 317
سؤال الفتوى: يا شيخ هل قاعدة أن الإسلام جاء لدرء المفاسد وجلب المصالح قاعدة عامة يعمل بها على الإطلاق أم لها ضوابط شرعية أرجو التوضيح والتوجيه مسندًا بكلام العلماء السابقين ؟
< جواب الفتوى >
قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح قاعدة مطردة لا مفر منها ولا ينكرها إلا من قل علمه, ونقصت بصيرته إذ هي من القواعد الأصول عند أهل العلم وأمثلتها كثيرة لا تحصى وأحسن من بسطها وأطال النفس فيها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم و الشاطبي في كتاب الموافقات وكذا السيوطي في الأشباه والنظائر وغيرهم كثير .
ولا يعمل بهذه القاعدة مطلقًا وإنما في المسألة تفصيل وحاصله يلزم تقديم درء المفسدة على المصلحة في حالتين :
الأولى : إن عظمت المفسدة على المصلحة لماذا ؟
لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ” لا ضرر ولا ضرار “([1]).
ومثال ذلك ما لو هددت امرأة بانتهاك عرضها أو تعطي مالها لهذا المهدد وليس هناك من يمنعه من انتهاك عرض هذه المرأة فهنا يلزم أن تقدم مالها فداء لهذا الرجل دفعًا لمفسدة الزنا, فتذهب المصلحة وهي المحافظة على هذا المال والاستفادة منه درءًا لما هو أعظم من حفظه وهو مفسدة الانتهاك .
الثانية : إذا تساويا من حيث المصلحة والمفسدة قدم درء المفسدة على المصلحة لماذا ؟
الجواب : لأن اعتناء الإسلام بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات ولذلك أخرج الشيخان عن أبي هريرة– رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم “([2]).
ومن ثم سومح في ترك بعض الواجبات بأدنى مشقة كالقيام في الصلاة والفطر والطهارة ولم يسامح في الإقدام على المنهيات وخصوصًا الكبائر .
أما إذا كانت المفسدة أدنى من المصلحة والمصلحة أعظم فهنا نقول: تقديم المصلحة أولى من درء المفسدة ومثاله ما لو رأى رجل من الجند فجوة على الأعداء وتأخيره عن ذلك حتى يستأذن ولي الأمر في الاقتحام قد يكشفه العدو فتقدم لانتهاز هذه الفرصة لإمكان أن يوقع في صفوف الأعداء الخسائر فقد غلبت عنده المصلحة وقلت المفسدة المظنونة .
ويتنزل في هذه الحالة قصة الرجل الذي اقتحم حصن اليهود وقتل ثم فر هاربًا .
وقد مثل الفقهاء لمسائل الفروع في هذه الحالة الصلاة مع اختلال شرط من شروطها من الطهارة والستر والاستقبال فإن في كل ذلك مفسدة لما فيه من الإخلال بجلال الله في أن لا يناجى إلا على أكمل الأحوال ومتى تعذر شيء من ذلك جازت الصلاة بدونه تقديمًا لمصلحة الصلاة على هذه المفسدة ومنه الكذب ومتى تضمن جلب مصلحة تربو عليه جاز كالكذب للإصلاح بين الناس وعلى الزوجة لإصلاحها وهذا النوع راجع إلى ارتكاب أخف المفسدتين في الحقيقة كذا مثل لهذه الحالة السيوطي في الأشباه والنظائر .
والحاصل أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وفقًا للحالتين السابقتين ولا يخوض في ذلك إلا من مكنهم الله من الاشتغال في الفقه والأصول لا الأدعياء الذين لا يفرقون بين الأصول والفروع ولا بين الضوابط والإطلاقات .
وقد حكم بهذه القاعدة ضمنًا نبينا عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث عائشة – رضي الله عنها – قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يا عائشة لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحِجْر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة “([3]).
فلماذا تركها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يهدمها رغم أن قريشًا لم تقمها على ما بناها خليل الله إبراهيم مع أن النبي عليه الصلاة قد غلب على أهل الشرك وصار خليفة لدولة الحرمين ونجد آنذاك إنما ذلك درء لمفسدة عظمى ولذا ذكر النووي عند شرح هذا الحديث قوله : فيه دليل لتقديم أهم المصالح عند تعذر جميعها؛ وبالله التوفيق .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه أحمد في مسنده [ومن مسند بنى هاشم, مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم(1/313 رقم 2867)] من حديث ابن عباس.
([2]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة, باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم(6/2658 رقم 6858)], ومسلم في صحيحه [كتاب الحج, باب فرض الحج مرة في العمر( 2/975 رقم 1337)] كلاهما من حديث أبي هريرة.
([3]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب العلم, باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه(1/227 رقم 126)], ومسلم في صحيحه [كتاب الحج, باب نقض الكعبة وبنائها(8/402 رقم 3308)] كلاهما من حديث أم المؤ منين عائشة.
مرتبط