المؤذن وكذلك الإمام في المسجد، وكذلك الداعية إلى الله عز وجل ، وأيضاً الناصح الذي ينصح الناس الخير، لا يجوز لهؤلاء أن يأخذوا رواتب شهرية مقابل أفعالهم من أذان وإمامة ودعوة، لأن هذه أمور شرعية مطلوبة من المسلم كل على قدر استطاعته، يقدم لهذا الدين ما استطاع، وقد جاء في سنن أبي داود وغيره والحديث ثابت من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال (علَّمتُ ناسًا من أهلِ الصُّفَّةِ القرآنَ والكتابةَ فأهدى إليَّ رجلٌ منهُم قَوسًا فقُلتُ ليسَتْ بِمالٍ وأرمي عَنها في سبيلِ اللَّهِ فسَألتُ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عَنها فقالَ إن سَرَّكَ أن تطوَّقَ بِها طَوقًا مِن نارٍ فاقبَلها)، ولذلك ما عيب على اليهود والنصارى إلا أنهم كانوا يشترون بآيات الله ثمناً قليلا، يبيعون الفتوى، ما يفتي إلا بمال!!1ولا يعلم إلا بمال!! ، فنزلت في أمثالهم هذه الآيات وهي قوله تعالى : ” ولا تشتروا بآيات الله ثمناً قليلا “، لكن قد يحتج علي محتج ويقول ما هو جوابك على الحديث الذي في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ)، والجواب : أن المؤذن إذا أذن ، والإمام إذا صلى بالناس ، والمحاضر والداعية إذا علموا الناس فلهم أن يستلموا الرواتب إذا أعطيت لهم من غير طلب، لكن بنية أنها جعالة من القائم على المسجد، أو بأنها جعالة من الوالي، أو بأنها هبة من الدولة توهب له شهريا من بيت مال المسلمين، هذا يجوز، وقد كان عمر رضي الله عنه يصرف رواتب الجند بعد حرب فارس لما أوقف أن تقسم الغنائم على الجند فكان يصرف لهم رواتب شهرية، فلذلك إذا صرف لك الراتب القائم على المسجد أو القائم على العمل الخيري أو الدعوي، بصفتك إمام مسجد أو مؤذن، فعليك أن تستلمه على أنه هبة ، وليس مقابل أنك دعوت إلى الله أو أذنت أو صليت بالناس، وهذا يعني أن الإنسان إذا استلم الراتب مقابل تعليم القرآن ( فلا يجوز له) ، أو مقابل الدعوة إلى الله ( فلا يجوز) ، أو مقابل الأذان ( فلا يجوز) ، أو مقابل الإمامة ( فلا يجوز)، وإنما يأخذه مقابل أنه جيء له كجعالة أو هبة، حتى إذا جاء يوم القيامة جاء وحجته معه أنه لم يأخذه مقابل أمر ديني، وهذا هو المقصود من حديث : ” ( إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ)”.
وليس يعني هذا الجواب أن يقول صاحب المسجد، أنا سأبني مسجدا ولن أعطي المؤذن راتباً ولن أعطي الإمام راتباً ، بل أعطِ الإمام راتباً والمؤذن راتباً ، لكن أنت أيها الإمام و أيها المؤذن خذ هذا الراتب على أساس أنه جعالة لك، وليس مقابل أنك بلغت دين الله بالأذان أو بلغت دين الله بإقامة الصلاة أو الدعوة إلى الله، هذا هو المقصود من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ)، وكذلك الرقية أيضا إذا رقيت الناس لا تأخذ عليها مالاً ، ولا تشترط عليهم مالاً ، ولكن إذا أعطاك شخص مالا فاقبله على أنه جعالة ، وإذا لم يعطك فلا تسأل،
فهذه المسألة مهمة ولا ينبغي لمؤذن أن يتقدم لمسجد من أجل أن يؤذن، ويشترط راتباً معيناً، إما أن يقبل الراتب الذي يُعطى له أو يترك المسجد، ولا تقل هو قليل ، ولكن قل للقائم على المسجد اعذرني، ما سأكون مؤذناً، لأنك لو قلت الرتب قليل، فمعناه أنك طلبت مقابل هذا الأذان، وهذه دعوة إلى الله عز وجل، وكل ابن آدم مطالب شرعا أن يبلغ هذا الدين ، ومن هنا قال النبي عليه الصلاة والسلام (بلغوا عني ولو آية)، والحديث متواتر.
فيبلغ الإنسان دين الله ولا يطلب مقابلاً ، فالصحابة خاضوا مشارق الأرض ومغاربها وبلغوا دعوة الله عز وجل، فما جاء لهم أخذوه، ومنهم من تورع وأبى أن يأخذه وإذا لم يأت شيء لم يطلبوه، وللأسف اليوم بعض المؤذنين إذا انقطع عنهم الراتب تركوا المساجد وإذا تأخر الراتب تركوا المساجد ، لا ما هكذا تورد الإبل يا سعد.
وأوردها سعد وهو مشتمل ……..ما هكذا يا سعد تورد الإبلْ
عليكم في هذه الحالة أن تعطوا أيها الولاة وأيها المسئولون على المساجد وعلى مراكز الدعوة وعلى المعاهد أن تعطوا الرواتب لهؤلاء، وأن تجعلوا قدرهم أرفع من قدر غيرهم فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، وبالله التوفيق.